تم تحديثه الإثنين 2026/10/19 06:31 ص بتوقيت أبوظبي

من تعثر المفاوضات بشأن أكبر موازنة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، إلى فجوة التمويل الهائلة في أوكرانيا، وتصاعد الضغوط الجيوسياسية، أزمات متشابكة تواجه أوروبا.

وتزداد المخاوف مع احتدام الصراعات السياسية الداخلية في دول تمثل مجتمعة نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد وسكانه، ما يهدد بتعطيل التوافق بين أعضائه وشل قدرته على اتخاذ القرارات.

وفي إشارة إلى المفاوضات الشائكة بشأن موازنة التكتل، قال الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، في مقابلة مع موقع «بوليتيكو» على هامش اجتماع المجلس الأوروبي الأسبوع الماضي: «كان الجميع يدركون سابقًا ضرورة إنجاز اتفاق سياسي بحلول نهاية العام».

لكنه أوضح أن الانتخابات الإسبانية تعني أن ذلك لم يعد ممكنًا. وأضاف متوقعًا مزيدًا من التعقيدات أمام التكتل: «وفي العام المقبل، ستكون فرنسا وإيطاليا» وغيرهما على موعد مع الانتخابات.

معضلة غير مسبوقة

ويواجه الاتحاد الأوروبي معضلة غير مسبوقة؛ إذ تتجه أكبر أربعة اقتصادات فيه نحو انتخابات أو اضطرابات سياسية، بما قد يقيد قدرة التكتل على إنجاز أي شيء.

ومن المقرر أن تتوجه إسبانيا إلى صناديق الاقتراع الشهر المقبل، وسط توقعات بتولي اليمين الوسط واليمين المتطرف السلطة. وفي فرنسا، ستشهد البلاد تغييرًا في منصب الرئاسة في أبريل/نيسان، فيما ترجح استطلاعات الرأي كفة مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف.

أزمات وانتخابات تهدد وحدة القرار.. عواصف السياسة تربك أوروبا - صورة 1

وفي ألمانيا، يواصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» صعوده، ما يثير الشكوك بشأن استمرار فريدريش ميرتس في منصب المستشار. أما الحكومة الإيطالية، التي تتولى رئاستها جورجيا ميلوني وتعد من أطول الحكومات عمرًا في البلاد، فتتجه بدورها إلى انتخابات عام 2027.

تداعيات التطورات

وبدأت تداعيات هذه التطورات تتضح بالفعل، فالقمة الأخيرة للتكتل قدمت لمحة مبكرة عما ينتظره؛ فبعد يومين من المحادثات، لم يحرز القادة تقدمًا في ملف الموازنة البالغة قيمتها تريليوني يورو، وانخرطوا بدلًا من ذلك في خلاف حاد على نحو غير متوقع بشأن سياسة الطاقة، بحسب «بوليتيكو».

واللافت أن البيان الختامي للقمة خلا من أي إشارة إلى التوصل لتوافق بشأن الموازنة قبل نهاية العام، بعدما قاومت الدول الأعضاء مساعي رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لفرض موعد نهائي بنهاية عام 2026، رغم تحديد موعد لقمتين في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول.

وإذا أخفقت الاجتماعات المقبلة في التوصل إلى اتفاق، فستمتد المفاوضات المتوترة أصلًا إلى عام 2027، حين يُرجح أن تلقي المعارك الانتخابية بظلال أثقل على المباحثات، وقد تصبح الحكومات أقل استعدادًا لتقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى توافق.

هجوم من ثلاث جبهات

بدأ الشلل الذي تخشاه بروكسل يفرض نفسه بالفعل مع تسارع دورة الانتخابات في أوروبا، إذ كشفت قمة الأسبوع الماضي عن تزايد صعوبة التوصل إلى التسويات التي يحتاج إليها التكتل.

وبدلًا من إبرام اتفاقات كبرى — باستثناء تفاهم فرنسي ألماني بشأن السيارات — تمسك القادة بمواقفهم الراسخة، وسعوا إلى تحقيق مكاسب تكتيكية على حساب المعسكرات المنافسة.

رياح معاكسة

وبحسب ستة دبلوماسيين ومسؤولين تحدث إليهم «بوليتيكو»، كان التشاؤم ملموسًا، وحذر عدد منهم من أن الاتحاد الأوروبي سيواجه رياحًا معاكسة قوية خلال الأشهر المقبلة. وطلب جميعهم عدم الكشف عن هوياتهم حتى يتمكنوا من التحدث بحرية.

وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى: «سيكون العام المقبل أسوأ».

وأضافت كارلا تافاريس، العضو البارز في البرلمان الأوروبي عن كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين، والمشاركة في قيادة مفاوضات الموازنة: «هذا صحيح، بسبب جدول الانتخابات هذا… سيكون العام المقبل أكثر صعوبة بكثير داخل الدول الأعضاء وفي البرلمان الأوروبي».

ولا يمكن أن تأتي حالة الوهن الداخلي التي يعانيها التكتل في توقيت أسوأ من ذلك.

ضغوط جيوسياسية واقتصادية

فمن تقويض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتحالف عبر الأطلسي، إلى اتساع الاختلال التجاري مع الصين، يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا جيوسياسية واقتصادية متزايدة على جبهات متعددة.

وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر للصحفيين، خلال إحاطة في وقت متأخر من الليل على هامش القمة، من دون أن يسمي دولًا بعينها، لكنه أشار إلى بلدان تقع شرق بروكسل وغربها: «إنهم يسعون إلى انقسامنا. إنهم يريدون انقسامنا، ولديهم بالطبع نقاط يمكنهم من خلالها إلحاق الضرر بنا».

أما غابريليوس لاندسبيرغيس، وزير الخارجية الليتواني السابق والباحث الزائر حاليًا في جامعة ستانفورد، فكان أكثر صراحة، إذ قال: «نتعرض الآن لهجوم من ثلاث جهات: الولايات المتحدة وروسيا والصين».

فواشنطن تعيد النظر في التحالفات القديمة التي شكلت ركيزة للأمن الأوروبي على مدى أجيال، فيما تخوض موسكو حربًا خفية في أنحاء أوروبا، تشمل الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب، وصولًا إلى محاولة شن هجوم بطائرة مسيرة في مطار لايبزيغ، حمّلت برلين الكرملين مسؤوليتها. وفي المقابل، تعزز بكين قبضتها على سلاسل الإمداد الحيوية، وتغرق الأسواق الأوروبية بصادرات رخيصة.

ثم تأتي مشكلة أوكرانيا. فوفقًا لصندوق النقد الدولي، تواجه البلاد عجزًا في الموازنة يتراوح بين 30 و35 مليار دولار العام المقبل، في وقت تضرب فيه روسيا البنية التحتية للطاقة الأوكرانية استعدادًا لشتاء قاسٍ. ويحدث ذلك رغم موافقة الاتحاد الأوروبي العام الماضي على تقديم 90 مليار يورو لأوكرانيا.

أشهر قاتمة

وقال لاندسبيرغيس إن الأشهر المقبلة تبدو «قاتمة للغاية» بالنسبة إلى كييف، مضيفًا: «كل شيء يقع على عاتق أوروبا».

وأطلق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحذيرًا قاتمًا خلال قمة الأسبوع الماضي، إذ قال للصحفيين إنه إذا سقطت أوكرانيا، فإن 20 مليون أوكراني سيتدفقون إلى الاتحاد الأوروبي. وأضاف: «روسيا تقتلنا، ولا تريد التوقف».

أزمات وانتخابات تهدد وحدة القرار.. عواصف السياسة تربك أوروبا - صورة 2

وقد يكون أحد الحلول الممكنة لأزمة التمويل الأوكرانية استخدام الأصول الروسية المجمدة إلى أجل غير مسمى، والبالغة قيمتها 200 مليار يورو، والمودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» المالية في بروكسل. لكن لا توجد مؤشرات على اقتراب الاتحاد الأوروبي من توافق بشأن هذه الخطوة أيضًا، إذ لا تزال بلجيكا، التي استخدمت حق النقض ضد محاولات سابقة لتوظيف تلك الأصول في دعم أوكرانيا، متمسكة بموقفها الرافض.

وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، لدى مغادرته القمة مبكرًا الأسبوع الماضي: «لم يتغير شيء».

أما الحلول المحتملة الأخرى، مثل إصدار مزيد من الديون المشتركة، فستتطلب تسويات معقدة، في وقت تجد فيه بروكسل نفسها أمام هامش أضيق للمناورة.

من يستطيع إنقاذ الموقف؟

تتجاوز مشكلات الاتحاد الأوروبي ملف الموازنة أو الخلافات بشأن سياسات بعينها. فمع تزايد الغموض بشأن المستقبل السياسي لعدد من أقوى قادة أوروبا، تخاطر بروكسل بفقدان التحالفات المستقرة والشخصيات الوطنية ذات الثقل، التي أمضت سنوات طويلة في السلطة وكانت تؤدي دورًا محوريًا في التوصل إلى التسويات.

وقال دبلوماسي أوروبي آخر: «أصبحت أوروبا الآن بلا قائد واضح. فون دير لاين قوية، لكن ليس لدينا شخصية مثل ميركل أو ميتران».

ولا يستطيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بموجب الدستور، تولي ولاية ثالثة متتالية، وسيتعين عليه مغادرة قصر الإليزيه والانتقال إلى مقر إقامة جديد في باريس بعد انتهاء ولايته في أبريل/نيسان.

وخلال نقاش مغلق على هامش قمة الأسبوع الماضي، أقر ماكرون بأنه لن يمتلك «تفويضًا سياسيًا» يسمح له بتوقيع اتفاق بشأن الموازنة خلال أشهره الأخيرة في السلطة، وفقًا لأربعة دبلوماسيين أوروبيين.

وبحسب استطلاعات الرأي، يتجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الهزيمة بعد ثمانية أعوام في السلطة. ومن المقرر أن يصوت الإسبان في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، ما يعني أن سانشيز سيكون منشغلًا بالكامل بحملته الانتخابية خلال اجتماعي قادة الاتحاد الأوروبي المقررين في 13 و26 نوفمبر/تشرين الثاني.

وكان كوستا قد شدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن موازنة الاتحاد الأوروبي قبل نهاية عام 2026، لضمان جاهزيتها للتنفيذ بحلول عام 2028، لكنه قلل من المخاوف بشأن احتمال عرقلة موجة الانتخابات المقبلة جهود التكتل.

وقال يوم الجمعة: «نعيش في 27 ديمقراطية. وتُجرى انتخابات كل شهر تقريبًا، أكثر أو أقل. وإذا كان الأمر يتعلق بالانتخابات، فلن نتمكن أبدًا من إقرار موازنة جديدة».

هل ينجح في تمرير الموازنة؟

وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، لا يُتوقع أن تتمكن مدريد من تشكيل حكومة قبل يناير/كانون الثاني، وهو ما قد يعطل مفاوضات الموازنة، وفقًا لدبلوماسيين أوروبيين.

فيما لا يستطيع أحد الجزم بالمدة التي سيبقى فيها المستشار الألماني فريدريش ميرتس في منصبه. فعلى الرغم من أن الانتخابات الاتحادية المقبلة لا تزال مقررة في عام 2029، فإن تنامي قوة حزب «البديل من أجل ألمانيا»، إلى جانب التراجع الحاد في شعبية ميرتس، يثيران تساؤلات بشأن مدى استعداده لتقديم تنازلات.

وتتجه إيطاليا بدورها إلى انتخابات في أكتوبر/تشرين الأول 2027. لكن دبلوماسيًا أوروبيًا آخر قال إنه لا يتوقع أن تنتظر ميلوني حتى ذلك الموعد، مرجحًا إمكانية الدعوة إلى انتخابات مبكرة.

ورأى مسؤول أوروبي رفيع المستوى أن يناير/كانون الثاني قد يمثل فرصة مواتية لتمرير الموازنة، وربما يكون آخر موعد لإبرام اتفاق قبل أن تجعل الاضطرابات السياسية في أوروبا التوصل إلى تسويات أكثر صعوبة.

وقال زيغفريد موريسان، المشارك في قيادة مفاوضات الموازنة عن حزب الشعب الأوروبي، إن قادة الاتحاد الأوروبي كانوا حتى الآن «أبطأ مما ينبغي»، مضيفًا: «الوقت ينفد».