تم تحديثه الإثنين 2026/10/19 09:01 ص بتوقيت أبوظبي

لم يعد التطرف في بريطانيا حبيس الأيديولوجيات التقليدية أو التنظيمات المعروفة، بل بات يتسلل عبر شاشات الهواتف ومنصات الألعاب والمنتديات الرقمية، مستعينا بالخوارزميات والميمات والرسائل المشفرة لاستقطاب الأطفال والشباب ودفع بعضهم نحو العنف والجريمة.

وفيما تتطور أدوات التجنيد بوتيرة متسارعة، لا تزال استجابة بريطانيا تراوح بين آليات مكافحة الإرهاب التقليدية وتدخلات لا تستوعب بالقدر الكافي تعقيدات المشهد الجديد، بحسب تقرير للجنة الشؤون الداخلية في البرلمان البريطاني، اطلعت «العين الإخبارية» على نسخة منه.

هذا التباين وضع قصور المواجهة البريطانية تحت مجهر لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان، التي حذرت من أن النهج الحكومي لم يواكب التحولات المتسارعة، وأن برنامج «بريفنت» يواجه تهديدات تتجاوز نطاق تصميمه الأصلي، في ظل تداخل المسؤوليات الحكومية وغياب التنسيق الكافي.

ويكشف التقرير عن معضلة تتجاوز رصد المحتوى المتطرف إلى فهم مسارات الاستقطاب الرقمي والتدخل قبل تحول الأفكار والسلوكيات الخطرة إلى عنف فعلي.

وبحسب التقرير، فإن التطرف يتطور بوتيرة متسارعة، فبينما لا تزال التهديدات التقليدية، قائمة، تظهر اتجاهات جديدة، بينها:

  • انجذاب الأطفال والشباب إلى التطرف
  • تداخل منظومات المعتقدات الأيديولوجية وتضاربها
  • التمثيل المرتفع للأشخاص ذوي الاختلافات العصبية والأفراد الذين يعانون حالات صحية نفسية ضمن الإحالات إلى برنامج «بريفنت» الحكومي لمكافحة الإرهاب.

وعزت لجنة الشؤون الداخلية ذلك، إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والمنتديات عبر الإنترنت والمؤثرين، الذين يؤدون دورا محوريا في تنامي التطرف في البلاد، إلى جانب أدوات إبداعية مثل الميمات والفكاهة والرسائل المشفرة، والوصول بسهولة إلى الخطابات المتطرفة وتجعلها شديدة الجاذبية، لا سيما لدى الفئات الأصغر سنًا.

كما تدفع الخوارزميات المستخدمين إلى مشاهدة تدفق مستمر من المحتوى الضار، في حين تسهم التطورات التكنولوجية، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، في خفض الحواجز أمام إنتاج المحتوى المتطرف والضار، يضيف التقرير.

من «الميمات» إلى العنف.. ثغرات بريطانية في مواجهة التطرف الرقمي (خاص) - صورة 1

ويجري استقطاب عدد مرتفع على نحو غير متناسب من الأشخاص ذوي الاختلافات العصبية، ومن يعانون حالات صحية نفسية، إلى أشكال جديدة من التطرف. وتمثل شبكات «كوم»، التي تضم مجموعات إلكترونية تتألف في معظمها من فتيان مراهقين يسعون إلى إلحاق الأذى بالآخرين وينخرطون في أنماط متعددة من السلوك الإجرامي، مثالًا على تطور مشهد التطرف في المملكة المتحدة.

إلى جانب ذلك، تتزايد الحوادث المرتبطة بالنشاط المناهض للتجديف، والتطرف المناهض لإسرائيل، والعداء للمسلمين، والتطرف البيئي، مدفوعة بخطابات انقسامية وتحريضية.

وتتعدد العوامل الكامنة وراء الأشكال الجديدة من التطرف، ومنها الأحداث الجيوسياسية، وفي مقدمتها الصراع بين إسرائيل وحماس، والانتشار السريع للمعلومات المضللة والمغلوطة، وتحول الخطاب المعادي للسامية والمعادي للمسلمين إلى خطاب أكثر شيوعًا، والإقصاء الاجتماعي والتمييز، والخطابات القائمة على الشعور بالمظلومية.

فهل كان التحرك البريطاني مواكبا لهذه التغيرات؟

تقول لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان البريطاني، إن النهج الحكومي الحالي لمكافحة التطرف لم يواكب هذه التغيرات، إذ يعتمد بصورة مفرطة على منظومات مكافحة الإرهاب، مثل برنامج «بريفنت»، الذي يستهدف منع تحول الأفراد إلى إرهابيين أو تقديم الدعم للإرهاب، لكنه لم يُصمم للتعامل مع تعقيدات التهديدات المتطرفة الراهنة.

ويواجه برنامج «بريفنت» تزايدًا في الحالات التي لا تستند إلى دوافع أيديولوجية، وكثير منها قد يستفيد بصورة أفضل من تدخلات في مجالات الصحة أو التعليم أو الدعم المجتمعي، بدلًا من التعامل معها من منظور مكافحة الإرهاب، كما أن البرنامج غير مهيأ بالقدر الكافي للتعرف على الأفراد الذين يجري استقطابهم إلى التطرف عبر الإنترنت.

ومن بين أسباب القصور -كذلك- توزع مسؤولية مكافحة التطرف في الحكومة البريطانية على عدة وزارات، بينها وزارة الداخلية ووزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، مما يجعل من وضع استراتيجية موحدة لمكافحة التطرف أمرا صعب المنال.

من «الميمات» إلى العنف.. ثغرات بريطانية في مواجهة التطرف الرقمي (خاص) - صورة 2

الأمر الذي أكده استراتيجية التماسك الاجتماعي التي أصدرتها وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي في مارس/آذار 2026، تحت عنوان «حماية ما يهم: نحو المملكة المتحدة أكثر ثقة وتماسكًا وقدرة على الصمود»، والتي أشارت إلى تعرض التماسك الاجتماعي لضغوط نتيجة التغيرات التكنولوجية والديموغرافية والاقتصادية المتسارعة، بالتوازي مع تصاعد موجة التطرف ونشاط الجهات الأجنبية المعادية».

فهل كان القصور الحكومي وحده أحد أسباب فشل مكافحة التطرف؟

قال الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب والفكر الديني، هشام النجار، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قصور المواجهة البريطانية للتطرف يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الخلط بين مكافحة التطرف والتمييز ضد المسلمين، وعدم التمييز بوضوح بين المعتقدات الدينية والتيارات الأيديولوجية التي توظف الدين لتبرير التطرف والعنف.

وأوضح النجار أن السلطات البريطانية لم تتمكن من اتخاذ إجراءات استباقية في مواجهة بعض مظاهر التطرف، خشية أن تُفسر هذه الإجراءات باعتبارها استهدافا للإسلام أو تقييدا للحريات الدينية.

ورأى في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن استغلال هذه المخاوف في الخطاب العام قد أسهم في إبطاء التدخلات اللازمة، ومنح بعض البيئات المتطرفة مساحة أوسع للتحرك قبل احتواء مخاطرها.

وأشار إلى أن أحد أوجه القصور يتمثل في عدم الإلمام الكافي بالفوارق بين الإسلام بوصفه دينا، وبين التيارات السياسية والراديكالية التي توظف الخطاب الديني لتبرير أفكارها وممارساتها، في غياب أدى إلى ارتباك في تحديد طبيعة التهديدات، سواء عبر التعامل مع بعض المؤشرات بقدر أقل من الجدية، أو عبر الخلط بين التدين الطبيعي والتوجهات التي تنطوي على مخاطر فعلية.

من «الميمات» إلى العنف.. ثغرات بريطانية في مواجهة التطرف الرقمي (خاص) - صورة 3

وأضاف النجار أن تداخل الاعتبارات الأمنية والاستخباراتية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية قد أثر بدوره في أولويات المواجهة، وأخر التعامل مع بعض مصادر التهديد.

ولفت إلى أن فاعلية مكافحة التطرف تتطلب وضوحا في تحديد الأولويات، وألا تأتي الحسابات السياسية على حساب التقييم الأمني للمخاطر، خصوصا عندما تكون هناك مؤشرات تستدعي التدخل المبكر.

وتابع أن من أبرز التحديات -أيضا- عدم الفهم الدقيق للروابط الفكرية والتنظيمية بين بعض التيارات المتطرفة، وما قد ينشأ بينها من تقاطعات أو تأثير متبادل، معتبرًا أن التعامل مع كل تيار بمعزل عن السياق الأوسع قد يحول دون تكوين صورة متكاملة عن مسارات التطرف، وكيفية انتقال الأفراد من تبني الأفكار المتشددة إلى الانخراط في أنشطة عنيفة أو إجرامية.

وحذر النجار من أن التأخر في التعامل مع أفراد سبق أن ظهرت لديهم مؤشرات على تبني أفكار متطرفة قد أتاح لهم فرصا لاستغلال الفضاء الرقمي في الاستقطاب وتشكيل شبكات مشفرة، أو تنفيذ هجمات بصورة فردية، على غرار ما يُعرف بعمليات «الذئاب المنفردة».

وأكد أن جوهر المشكلة لا يرتبط بالضرورة بغياب المعلومات، بقدر ما يتعلق أحيانا بالعجز عن تحويل المعلومات المتاحة إلى تدخلات مبكرة وفعالة. فوجود سجل سابق أو مؤشرات على تبني أفكار متطرفة لا يحقق الغرض الأمني ما لم تُترجم هذه المعطيات إلى تقييم دقيق للمخاطر، ومتابعة متناسبة معها، وتنسيق بين الجهات الأمنية والتعليمية والاجتماعية.

ورأى أن معالجة هذا القصور تتطلب تجاوز الاستجابة التقليدية القائمة على رصد التهديد بعد ظهوره، إلى فهم مسارات الاستقطاب والتدخل قبل أن تتحول المؤشرات إلى أعمال عنف.

في السياق نفسه، قال عمرو عبدالمنعم، الخبير في شؤون الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قصور مكافحة التطرف والإرهاب في بريطانيا لا يرتبط بعامل واحد، بل يعكس فجوة بين المعالجة الأمنية والوقاية الفكرية والاجتماعية، إلى جانب إشكاليات في تعريف التطرف والإرهاب وتحديد المؤشرات التي تستدعي التدخل.

وأضاف أن غياب رؤية تعريفية واضحة ومتسقة قد يفتح المجال أمام توظيف المفاهيم وفق اعتبارات سياسية، بدلًا من الاستناد إلى معايير علمية محددة.

وأشار إلى ثلاثة تحديات رئيسية تواجه الجهود البريطانية:

  • عدم اتساق التعامل مع الأيديولوجيات المحرضة على العنف
  • صعوبة مواكبة أساليب التجنيد عبر الإنترنت
  • الحاجة إلى تعزيز الثقة المجتمعية والتنسيق بين المؤسسات والتدخل المبكر.

وأضاف أن المراجعات السابقة لبرنامج «بريفنت» أثارت تساؤلات بشأن فهم دوافع التطرف وتطبيق السياسات، ما يطرح ضرورة تقييم مدى انعكاس التوصيات على الممارسة الفعلية.

وقال عبدالمنعم في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن برنامج «بريفنت» يحتاج إلى مراجعة مستمرة لضمان قدرته على التمييز بين المشكلات الاجتماعية والنفسية والتعليمية وبين المؤشرات الفعلية على الاستعداد للتطرف العنيف.

وأوضح أن تطبيق البرنامج بصورة غير متوازنة قد يؤدي إلى التعامل مع بعض حالات الهشاشة أو الاضطراب أو الآراء المثيرة للجدل باعتبارها قضايا أمنية، رغم أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود خطر إرهابي.

من «الميمات» إلى العنف.. ثغرات بريطانية في مواجهة التطرف الرقمي (خاص) - صورة 4

وأضاف أن الخلط بين هذه الحالات قد يضعف ثقة الطلاب والأسر بالمؤسسات التعليمية، ويولد شعورًا لدى بعض الأفراد بأن التعبير عن آرائهم قد يعرضهم للاشتباه بدلًا من فتح المجال أمام الحوار والمعالجة المناسبة. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه المخاوف لا تعني أن جميع الإحالات إلى البرنامج غير مبررة، أو أن البرنامج برمته يقوم على تجريم المشكلات الاجتماعية والنفسية.

وقال إن التعامل مع كل أزمة نفسية باعتبارها اشتباهًا أمنيًا قد يقوض الثقة المجتمعية اللازمة للوقاية من الإرهاب، مؤكدًا أن المطلوب ليس إلغاء «بريفنت»، بل إعادة ضبط أولوياته وتطوير آليات عمله، مع إيلاء اهتمام أكبر للمراحل المبكرة التي تسبق التطرف العنيف، ومنها تشكل الأفكار المتشددة وتنامي قابلية الفرد لتبني خطاب الكراهية أو تبرير العنف.

توسع نفوذ شبكات التطرف رقميا وتأخر بريطاني

قال عبدالمنعم إن الشبكات المتطرفة تتحرك بسرعة الخوارزميات، في حين تتعامل المؤسسات الرسمية غالبًا وفق إجراءات بيروقراطية أبطأ، وهو ما يمنح تلك الشبكات فرصة لاستغلال المنصات الرقمية في بناء مجتمعات مغلقة، وتوظيف الأزمات ومشاعر الغضب والظلم لاستقطاب الشباب، خصوصًا الفئات الأصغر سنًا والأكثر قابلية للتأثر بالخطاب العاطفي والمضلل.

وأضاف أن المشكلة البريطانية لا تتمثل في غياب الأدوات بالكامل، بل في صعوبة مواكبة التغير السريع في المنصات وأساليب الاستقطاب، فضلًا عن تحديات التنسيق بين الجهات المعنية وتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون حرية التعبير.

وأشار عبدالمنعم إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تجاوز سياسة حذف المحتوى الضار بعد انتشاره، إلى نهج يجمع بين التدخل المبكر، وتطوير خطاب مضاد يتمتع بالمصداقية، وتعزيز التعاون مع المنصات الرقمية، وبناء الوعي الرقمي لدى الشباب لتمكينهم من اكتشاف التضليل ومحاولات الاستقطاب. كما شدد على أهمية فهم الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتأثر بهذا المحتوى، بدلًا من الاكتفاء بمراقبة مظاهره الخارجية.