تم تحديثه الإثنين 2026/10/26 07:15 م بتوقيت أبوظبي

بخلاف تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل تمتد أهمية انتخابات إسرائيل المقررة 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى سؤال أعمق هو: هل يمكن لتغيير القيادة أن يغيّر مسار إسرائيل تجاه الفلسطينيين والمنطقة، أم أن التوافق الأمني بين القوى السياسية الرئيسية سيُبقى؟

الإجابة جاءت عبر تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، يرى فيه ألوف بين، رئيس تحرير صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أن المنافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت قد تفضي إلى اختلافات في إدارة الحكم والعلاقات الدولية، لكنها لا تنذر بتحول جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو في استخدام القوة العسكرية إقليميًا.

ما هي أبرز الخلافات الداخلية؟

وبحسب بين، يتمحور جانب كبير من التنافس الانتخابي حول المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما شنّت حماس هجومًا على إسرائيل أسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز 251 رهينة.

وتحمل المعارضة نتنياهو مسؤولية الإخفاق، مستندة إلى سياساته تجاه حماس وتجاهله التحذيرات الاستخباراتية ورفضه تحمّل المسؤولية السياسية، بينما يحمّل نتنياهو ومؤيدوه الجيش والأجهزة الأمنية مسؤولية ما حدث.

لكن الكاتب يرى أن تبادل الاتهامات لا يخفي توافقًا أوسع على استخلاصات أمنية وسياسية من الهجوم، أبرزها التشدد تجاه الفلسطينيين والاعتقاد بأن إسرائيل محاطة بأعداء لا يمكن الوثوق بهم. ووفق هذا التصور، لا يمثل آيزنكوت بديلًا واضحًا لنهج نتنياهو في الملفات الأمنية، حتى إن كان أكثر دعمًا لاستقلال القضاء وحرية الصحافة ومهنية مؤسسات الدولة.

وتظهر هذه المحدودية، وفق المقال، في مواقف آيزنكوت من الحرب على غزة وإيران. فهو انتقد قرارات نتنياهو التكتيكية، ومنها رفض وقف إطلاق النار في غزة في وقت أبكر، لكنه أيد العمليات العسكرية لإضعاف قدرات إيران العسكرية والنووية، وتعهد بإنهاء حكم حماس في غزة خلال 18 شهرًا إذا تولى رئاسة الحكومة. لذلك، يرى بين أن الخلاف بين الرجلين يتعلق إلى حد كبير بوسائل إدارة الصراع والنتائج التي يمكن تحقيقها، لا برفض النهج الأمني القائم.

هل تغير الانتخابات نهج التعامل مع القضية الفلسطينية؟

ويمتد التوافق، وفق تحليل بين، إلى مستقبل القضية الفلسطينية. فمعارضة قيام دولة فلسطينية لم تعد مقتصرة على نتنياهو وحزب الليكود، بل تشمل معظم الأحزاب اليهودية الإسرائيلية، بما فيها قوى الوسط والمحافظون الذين ينافسونه على السلطة.

ويشير الكاتب إلى أن بعض الأحزاب الإسرائيلية كانت قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول تُبقي على تأييد شكلي لفكرة صنع السلام، أو تُظهر انفتاحًا حذرًا على تسوية مع الفلسطينيين. أما بعد الهجوم، فقد اتجهت إلى رفض حل الدولتين صراحة أو تجاهل القضية. ويضع موقف آيزنكوت ضمن هذا التحول، إذ أعلن معارضته الشخصية لقيام دولة فلسطينية، رغم اختلافه مع نتنياهو في بعض الملفات الداخلية.

ويعني ذلك، وفق منطق المقالة، أن خسارة نتنياهو الانتخابات لن تؤدي تلقائيًا إلى إعادة إحياء المسار السياسي مع الفلسطينيين. فحتى إذا تغيرت لهجة الحكومة أو أسلوب تعاملها مع الشركاء الدوليين، ستظل خياراتها مقيدة بغياب تأييد سياسي واسع لقيام دولة فلسطينية، فضلًا عن اعتماد أي حكومة جديدة على ائتلافات قد تضم أحزابًا ترفض هذا الخيار.

ما هي مساحة الاختلاف المحدودة بين نتنياهو وآيزنكوت؟

ولا ينفي الكاتب بين وجود اختلافات بين نتنياهو وآيزنكوت، خصوصًا بشأن هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية.

فبينما يتهم الكاتب حكومة نتنياهو بتجاهل هذه الهجمات تحت ضغط حلفائها من أقصى اليمين، يصف آيزنكوت تلك الاعتداءات بأنها «إرهاب يهودي»، ويرى أن الضفة الغربية تقف على حافة انفجار دموي قد يزيد عزلة إسرائيل دوليًا.

وقد يتخذ آيزنكوت خطوات لتقييد عنف المستوطنين وإبطاء بناء المستوطنات، بما في ذلك المشروع المثير للجدل في منطقة “إي 1″، الذي يرى الكاتب أنه يهدد بتقسيم أراضي دولة فلسطينية مستقبلية.

لكن هذه الخطوات، حتى إن تحققت، لن تعني بالضرورة تحولًا في الموقف من السيادة الفلسطينية، خاصة أن الأحزاب التي قد يحتاج إليها آيزنكوت لتشكيل حكومة تعارض حل الدولتين.

ومن ثم، فإن مساحة الاختلاف المحتملة تظل أوسع في إدارة الاستيطان والتعامل مع الاعتداءات، وأضيق في السؤال المركزي المتعلق بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة.

ما تكلفة استمرار النهج الحالي على إسرائيل؟

ويضع بين العزلة الدولية في صلب التحديات التي ستواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة، سواء بقي نتنياهو في السلطة أم حل آيزنكوت محله. فالحرب على غزة، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، والعمليات العسكرية في المنطقة، أسهمت، بحسب المقالة، في تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، وأثارت دعوات إلى فرض عقوبات وتقييد التعاون العسكري معها.

ويستشهد الكاتب بالعقوبات المرتبطة بالمستوطنات والشركات التي تمولها أو تشارك في بنائها، إلى جانب تنامي الدعوات داخل الولايات المتحدة إلى الحد من المساعدات العسكرية ونقل التكنولوجيا إلى الجيش الإسرائيلي.

ورغم استمرار دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإسرائيل، يرى بين أن هذا الدعم لا يلغي التحولات في مواقف قطاعات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وفي هذا السياق، قد يمنح انتخاب آيزنكوت إسرائيل فرصة لتحسين علاقاتها مع بعض الشركاء الدوليين، نتيجة اختلاف أسلوبه عن نتنياهو واستعداده للتفاوض بصورة أكثر وضوحًا.

غير أن بين يحذر من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتًا إذا لم يترافق مع تغييرات فعلية في السياسات التي أثارت الانتقادات الدولية.

التوافق الداخلي وكلفة العزلة.. ما الذي لن تغيره انتخابات إسرائيل؟ - صورة 1

وتكمن المعضلة، وفق فورين أفيرز، في أن استعادة الثقة الدولية لا تتوقف على تبديل رئيس الوزراء أو تحسين الخطاب الدبلوماسي، بل ترتبط أيضًا بالسياسات تجاه الفلسطينيين والأراضي المحتلة، وهي ملفات لا يبدو أن التوافق السياسي الإسرائيلي الحالي مستعد لإعادة النظر فيها جذريًا.

ما الذي يحدّ من فرص التغيير؟

ووفق تحليل «فورين أفيرز» فإنه حتى إذا فاز آيزنكوت، فلن تكون قدرته على تغيير السياسات مطلقة. فتشكيل حكومة جديدة قد يتطلب تحالفات مع أحزاب يمينية تعارض حل الدولتين، وأن هذه القوى قد تهدد بإسقاط الحكومة إذا اتجهت نحو تسوية مع الفلسطينيين.

ويطرح الكاتب الإسرائيلي احتمالات متعددة لمرحلة ما بعد الانتخابات، تشمل حكومة بقيادة نتنياهو، أو حكومة وحدة، أو حكومة يقودها آيزنكوت بدعم من الأحزاب العربية، أو فشل المفاوضات والعودة إلى انتخابات جديدة.

لكنه يرى أن أيًا من هذه السيناريوهات لا يضمن تغييرًا جوهريًا في نهج إسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية والدول المجاورة.

وإذا استمر المسار الحالي، فقد تواجه إسرائيل تكاليف إضافية، منها زيادة الإنفاق على إنتاج الأسلحة محليًا لتعويض أي قيود على الإمدادات الأمريكية، ومواجهة عراقيل أمام صادرات المعدات العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج.

كما يطرح بين احتمال تراجع الحماية الدبلوماسية الأمريكية لإسرائيل في مجلس الأمن الدولي، بما قد يفتح المجال أمام ضغوط دولية أكبر.

هل يكفي تغيير القيادة لتغيير المسار؟

ويخلص ألوف بين إلى أن الانتخابات الإسرائيلية قد تغيّر أسلوب الحكم، وتؤثر في العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الديمقراطية، وربما تمنح إسرائيل فترة من التحسن في علاقاتها الدولية. لكنها، في رأيه، لن تضمن تحولًا في السياسات الأمنية أو في التعامل مع الفلسطينيين، لأن هذه السياسات تستند إلى توافق أوسع من حزب الليكود وقيادة نتنياهو.

وبذلك، لا تكمن المسألة الأساسية في هوية الفائز وحدها، بل في مدى استعداد النظام السياسي الإسرائيلي لإعادة النظر في الاحتلال، ورفض الدولة الفلسطينية، والاعتماد على القوة العسكرية بوصفها أداة رئيسية لإدارة الصراعات. ومن دون تحول في هذه المواقف، يرجح الكاتب استمرار الضغوط الدولية وتزايد التكاليف الدبلوماسية والاقتصادية، حتى إذا غادر نتنياهو السلطة.