أفرزت نتائج الانتخابات الإسرائيلية مشهدا معقدا، بعدما أخفق معسكر بنيامين نتنياهو والمعارضة في حسم الفوز، ما فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة لتشكيل الحكومة المقبلة.
ودفعت هذه النتائج قوى المعارضة إلى إعادة حساباتها، مع تزايد أهمية مقاعد الأحزاب العربية في معادلة تشكيل الحكومة، رغم التباينات بين الطرفين إلا أنه يجمعهما هدف إبعاد نتنياهو عن السلطة، ما قد يفتح المجال أمام طرح سيناريو «الحكومة الضيقة»، عبر تفاهمات برلمانية قد تتيح للمعارضة تشكيل حكومة دون مشاركة عربية مباشرة فيها.
ما معنى حكومة ضيقة؟
ونادرا ما تتشكل حكومة ضيقة في إسرائيل إذ يتعمد رؤساء الوزراء العمل على حكومات مستقرة.
والحكومة المستقرة هي التي تحصل على ثقة 61 نائبا على الأقل من أعضاء الكنيست الـ 120.
أما الحكومة الضيقة فهي التي تتشكل من عدد أقل من المقاعد وتحصل على دعم من نواب في الكنيست لا يكونون شركاء في الحكومة.
هل حدث هذا السيناريو سابقا؟
وأبرز مثال على الحكومات الضيفة هي حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين عندما توصل إلى اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.
في حينه، انسحب حزب “شاس” الديني من الحكومة معترضا على الاتفاق فأصبحت الحكومة عرضة للسقوط قبل أن يتدخل النواب العرب لإنقاذها.
فمنح النواب العرب الحكومة دعما من الكنيست دون الدخول في شراكة فعلية مع الحكومة ما مكنها من المضي قدما في أعمالها بما فيها تطبيق اتفاق أوسلو.
ولكن الحكومات الضيقة غالبا ما تكون هشة وغير مستقرة ما يجعل عمرها قصير نسبيا.
لا فائز واضح بالانتخابات
وتعود فكرة الحكومة الضيفة إلى جدول الأعمال في ظل نتائج الانتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة.
فبعد فرز 66% من الأصوات، يحصل معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 54 مقعدا فيما يحصل معسكر المعارضة على 48 مقعدا ويحصل النواب العرب على 18 مقعدا.
وفي أي وضع طبيعي فإن المعارضة مجتمعة يمكن أن تشكل حكومة مستقرة إذ إن لديها 66 مقعدا وهو ما يتجاوز رقم 61.
ولكن قادة المعارضة اليهودية تعهدوا لناخبيهم خلال الحملة الانتخابية وحتى فجر الأربعاء بتشكيل حكومة صهيونية مستقرة، بحسب تعبيراتهم.
وقال زعيم حزب “يشار” غادي آيزنكوت لأنصاره فجر الأربعاء: “سأعمل، بالتعاون مع شركائي في التغيير، على ضمان ترجمة قرار الشعب وإرادته إلى تشكيل حكومة صهيونية مستقرة تخدم كافة المواطنين الإسرائيليين”.
وأضاف: “ستلتزم هذه الحكومة بالمبادئ التي طرحتها طوال حملتي الانتخابية: الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، والالتزام بقيم ‘وثيقة الاستقلال’، والعمل على سنّ قانون للخدمة الوطنية الشاملة، والالتزام بالقضاء على حركة حماس”.
وسبق أن قال آيزنكوت إنه لا يرى حزبا عربيا يقبل بهذه المبادئ الأربعة.
العرب بيضة القبان
أما زعيم حزب “معا” المعارض نفتالي بينيت فقال لأنصاره، فجر الأربعاء: “سنبذل قصارى جهدنا -متجاوزين كل أشكال الأنا- لتشكيل حكومة صهيونية تتكون ممن يؤدون الخدمة العسكرية؛ حكومة من “أهل العمل والإنجاز” تقود البلاد بمسؤولية وتخدم شعب إسرائيل بأسره”.
وبدوره، قال زعيم المعارضة يائير لابيد لأنصاره، فجر الأربعاء: “المهمة واضحة: تشكيل حكومة صهيونية. قد لا تكون مثالية في اليوم الأول، لكن يمكننا إجراء تحسينات لاحقًا. قد لا يكون هناك ائتلاف واسع في اليوم الأول، لكن يمكننا توسيعه لاحقًا”.
وسبق لزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” المعارض أفيغدور ليبرمان أن عارض تشكيل حكومة بالتعاون مع العرب.
وخرج عن هذا الموقف زعيم حزب “الديمقراطيين” المعارض يائير غولان.
وقال غولان على منصة “إكس”: ” لدينا أغلبية، ولدينا مسؤولية، ولدينا فرصة لتشكيل حكومة تغيير – بالشراكة مع المواطنين العرب في إسرائيل. حكومة تخدم جميع مواطني إسرائيل”.
غير أنه أضاف: “نحن بحاجة الآن إلى الشجاعة، وإلى القيادة. لقد حان الوقت لنكف عن الخوف ونبدأ بالعمل”.
ما موقف الأحزاب العربية؟
ولا يبدو خيار الحكومة الضيقة المدعومة من العرب مستبعدا من قبل الأحزاب العربية.
ولكن الأحزاب العربية تقول “شبكة أمان للحكومة مقابل شبكة أمان للمواطنين العرب”.
وبموجب ذلك فإن الأحزاب العربية لا تشارك في الحكومة ولكنها تدعمها من مقاعد الكنيست مقابل جدية حكومية في مكافحة الجريمة واتخاذ إجراءات لوقف التمييز ضد العرب وإيجاد أفق سياسي مع الفلسطينيين.
وبذلك تبقى الحكومة الضيقة صهيونية ولكن بدعم خارجي من العرب.
ويقول النواب العرب إن هذا هو الحل الأفضل لمنع نتنياهو من تشكيل حكومة.
سيناريو 2021 والإطاحة بنتنياهو
وتعيد نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى الواجهة تجربة عام 2021، حين توحّدت قوى سياسية متباينة أيديولوجياً حول هدف إقصاء بنيامين نتنياهو، ونجحت في تشكيل حكومة برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد، بدعم من القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، منهية 12 عاماً متواصلة من حكم نتنياهو.
لكن تجربة 2021 تطرح تساؤلات بشأن قدرة هذا التوافق على الاستمرار، بعدما انهارت الحكومة إثر فقدان أغلبيتها البرلمانية، ما يجعل التحدي لا يقتصر على إقصاء نتنياهو، بل يمتد إلى ضمان استقرار أي ائتلاف يخلفه.


