تتجه الأنظار إلى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الذي يجد نفسه في قلب المشهد السياسي عقب انتخابات لم تمنح أيًّا من المعسكرين الرئيسيين أغلبية برلمانية واضحة، ما يضعه أمام دور محوري في تحديد الشخصية التي ستُكلَّف بتشكيل الحكومة المقبلة، في وقت تتصاعد فيه ال.
وأظهرت النتائج الأولية بعد فرز جميع الأصوات عدا المزدوجة التي تقدر بنحو 490 ألفا، تقدم معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد تمكنه من الحصول على 53 مقعدا في البرلمان متجاوزا بفارق كبير معسكر المعارضة بزعامة منافسه جادي آيزينكوت الذي من المتوقع أن يحصل على 48 مقعدا، دون أن يتمكن أي منهما من حسم الأغلبية المطلوبة، أما الأحزاب العربية فمن المتوقع أن تفوز بإجمالي 19 مقعدا، وهو عدد غير مسبوق، بعد إقبال واسع على التصويت.
ويتطلب تشكيل أغلبية في الكنيست حصد 61 مقعدًا، ما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة قد تجعل قرار هرتسوغ مؤثرًا في مسار المرحلة السياسية المقبلة.
ما الخطوة التالية عقب النتائج؟
وبعد الإعلان الرسمي عن النتائج، سيجري هرتسوغ مشاورات مع ممثلي الأحزاب، قبل أن يكلّف الشخصية التي يرى أنها تمتلك أفضل فرصة لتشكيل حكومة. ولا يشترط أن يكون المرشح من الحزب الذي يحصد أكبر عدد من المقاعد، إذ يتعلق القرار بقدرته على جمع دعم برلماني يمكّنه من تشكيل ائتلاف حاكم.
وعلى الرغم من أن منصب الرئيس الإسرائيلي يغلب عليه الطابع البروتوكولي، فإن صلاحياته في عملية التكليف تمنحه مساحة تقديرية مهمة، خصوصًا عندما لا تفضي الانتخابات إلى أغلبية واضحة. وقد أكد هرتسوغ، قبيل الاقتراع، أنه سيواجه ضغوطًا كبيرة، لكنه لن يسمح للتدخلات الخارجية، بما فيها تدخلات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتأثير في قراره.
وقال في مقابلة مع شبكة “إم إس ناو” الأمريكية: “لا أعتقد أن رئيس الولايات المتحدة أو أي شخص آخر يستطيع التدخل في صلاحياتي”، مضيفًا: “إنها ديمقراطية إسرائيل.. وهذا ما يهمني”.
وبعد ظهور النتائج الأولية، دعا هرتسوغ إلى بذل كل الجهود الممكنة لتفادي انتخابات جديدة، مؤكدًا ضرورة العمل على تجاوز المأزق السياسي. وكان قد تعهّد قبل التصويت بالسعي إلى تشكيل حكومة مستقرة، محذرًا من أن إسرائيل لا تستطيع تحمّل تكرار الانتخابات في ظل التحديات التي تواجهها.
من هو هرتسوغ؟
يبلغ هرتسوغ 66 عامًا، ويُعرف بأسلوبه الهادئ وخبرته السياسية والدبلوماسية، وينتمي إلى عائلة ذات حضور بارز في تاريخ إسرائيل السياسي.
وانتُخب رئيسًا لإسرائيل في يونيو/حزيران 2021، قبل أن يتولى المنصب رسميًا في يوليو/تموز من العام نفسه، بعدما حصل على تأييد واسع من أعضاء الكنيست.
ينحدر هرتسوغ من عائلة ارتبط اسمها بمؤسسات إسرائيل السياسية والدبلوماسية والدينية. فوالده حاييم هرتسوغ تولى رئاسة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ثم شغل منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، قبل أن يصبح الرئيس السادس للدولة بين عامي 1983 و1993.
أما جده، الحاخام إسحق هرتسوغ، فكان من أبرز الشخصيات الدينية اليهودية، وتولى منصب الحاخام الأكبر لليهود الأشكناز. وقد انعكس هذا الإرث العائلي في المسار العام للرئيس الحالي، الذي جمع بين العمل القانوني والسياسي والقيادة الحزبية قبل انتخابه رئيسًا.
وخلال قيادته حزب العمل، دعا هرتسوغ إلى إعادة توجيه اهتمام الحزب نحو تحقيق السلام مع الفلسطينيين. لكنه، بصفته رئيسًا، عبّر أيضًا عن مواقف مؤيدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ ففي مقابلة مع وكالة فرانس برس في مارس/آذار 2026، وصف الحرب بأنها “منعطف تاريخي”، ودعا إلى العمل على إحداث تغيير في المنطقة. كما شدد على أهمية مواصلة المحادثات مع لبنان، التي دخلت مرحلة المفاوضات المباشرة في أبريل/نيسان.
وقبل وصوله إلى الرئاسة، شغل هرتسوغ مناصب سياسية عدة، بينها عضوية الكنيست وتولي حقائب وزارية شملت الإسكان والسياحة والرعاية الاجتماعية. كما قاد حزب العمل الإسرائيلي، المنتمي إلى تيار يسار الوسط، وتولى زعامة المعارضة.
وفي انتخابات عام 2015، سعى هرتسوغ إلى إزاحة نتنياهو عن رئاسة الحكومة، مقدّمًا نفسه بديلًا يتبنى نهجًا أكثر هدوءًا واتزانًا. لكن مساره السياسي انتقل لاحقًا إلى منصب الرئاسة، الذي يضعه اليوم في موقع مختلف: ليس منافسًا مباشرًا على رئاسة الحكومة، بل طرفًا دستوريًا يشارك في تحديد من سيحصل على فرصة تشكيلها.
وتكتسب مهمته الحالية حساسية إضافية بسبب استمرار الانقسام السياسي، إذ يواجه نتنياهو تداعيات سنوات طويلة في السلطة، بينما يسعى معسكر آيزنكوت إلى بناء بديل قادر على جمع تأييد برلماني كافٍ. وفي ظل غياب أغلبية حاسمة، تصبح المشاورات بين الأحزاب وقدرتها على التوصل إلى تفاهمات عاملًا أساسيًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
هل يستمر في مواجهة ضغوط ترامب؟
لم يقتصر دور هرتسوغ خلال رئاسته على إدارة الخلافات السياسية الداخلية، بل واجه أيضًا ضغوطًا من ترامب لمنح نتنياهو عفوًا في قضايا الفساد التي يحاكم فيها رئيس الوزراء. وقد تثير هذه القضية حساسية سياسية وقانونية، بالنظر إلى أن نتنياهو قد يواجه عقوبة بالسجن إذا أُدين وفقد السلطة.
وفي أبريل/نيسان 2026، دعا هرتسوغ محامي نتنياهو والمدعين العامين إلى مقر إقامته لإجراء محادثات بشأن هذه المسألة، في خطوة عكست حضور ملف العفو في المشهد السياسي الإسرائيلي.
وتتداخل هذه القضية مع معادلة تشكيل الحكومة، إذ إن استمرار نتنياهو في السلطة يظل عنصرًا مهمًا في حسابات المعسكرات السياسية، بينما يواجه هرتسوغ مسؤولية التعامل مع طلبات وتوقعات متعارضة، مع تأكيده استقلال صلاحياته عن أي ضغط خارجي.


