تم تحديثه الخميس 2026/10/29 08:16 م بتوقيت أبوظبي
تفتح الأحكام بالسجن المؤبد التي أصدرتها محاكم عراقية بحق فرنسيين متهمين بالانتماء إلى تنظيم.
“داعش” الباب أمام تساؤلات بشأن معالجة ملف “المقاتلين الأجانب” الذين نقلوا من شمال شرق سوريا إلى العراق.
ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة وقضايا الأمن الإقليمي عمرو فاروق، أن التعامل مع هذا الملف يتجه إلى مسار يقوم على تقنين الأوضاع القانونية للمسجونين، بما يفتح المجال أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: تسليم بعضهم إلى دولهم، وإعادة تأهيل آخرين، وإصدار أحكام قضائية رادعة بحق من تثبت مسؤوليتهم عن جرائم.
وقال فاروق، في تصريحات لـ”العين الإخبارية”، إن المحاكمات العراقية تمثل خطوة مهمة في معالجة ملف المقاتلين الأجانب، خصوصا أن بعض المحتجزين في سوريا ظلوا لسنوات دون تسوية أوضاعهم قضائيا، في ظل تعقيدات قانونية وسياسية تتعلق بالجهات التي احتجزتهم والدول التي ينتمون إليها.
محاكمات تمهد لتسوية الملف
وأصدرت محكمة جنايات الكرخ العراقية، الخميس، أحكاما بالسجن المؤبد بحق ثلاثة فرنسيين بعد إدانتهم بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، بحضور محاميهم وممثلين عن السفارة الفرنسية في بغداد.
وكانت المحكمة قد أصدرت، الثلاثاء، أحكاما بالسجن المؤبد بحق ستة فرنسيين آخرين من المجموعة نفسها، إضافة إلى الحكم بالسجن 15 عاما على متهم سابع، فيما ينتمي المحكوم عليهم إلى مجموعة تضم 47 فرنسيا تسلمتهم السلطات العراقية من شمال شرق سوريا.
وأتى تسلم العراق “الدواعش الفرنسيين” في سياق عملية نقل “المقاتلين الأجانب” من سوريا إلى العراق، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في فبراير/شباط الماضي، إتمام نقل أكثر من 5700 معتقل من التنظيم الإرهابي إلى العراق، بعد تصاعد المخاوف بشأن أمن مرافق الاحتجاز في شمال شرق سوريا.
وأوضح فاروق أن المحاكمات لا تتعلق فقط بمحاسبة المتهمين، بل ترتبط أيضا بإعادة ضبط الإطار القانوني لوجودهم داخل السجون العراقية، بما يتيح للدولة التعامل مع كل حالة وفقا لملابساتها والأدلة المتاحة بشأنها.
وأضاف أن العراق، بوصفه أحد أكثر البلدان تضررا من تنظيم “داعش” إلى جانب سوريا، يتعامل مع هذا الملف باعتباره “قضية أمنية وقضائية”، ما يستلزم إخضاع المحتجزين لإجراءات قانونية واضحة، بدلا من ترك أوضاعهم معلقة.
3 سيناريوهات
وحدد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع “المقاتلين الأجانب”، أولها تسليم بعضهم إلى دولهم، شريطة وجود صيغة قانونية واتفاقات تتيح نقلهم، وتحديد المسؤوليات المترتبة على ذلك.
وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية تواجه صعوبات في استعادة مواطنيها عندما لا تتوافر ملفات قضائية مكتملة أو أسس قانونية واضحة للتعامل معهم، ما يجعل المحاكمات خطوة يمكن أن تسهم في تهيئة الأرضية القانونية لبحث تسليم بعض الموقوفين إلى بلدانهم.
ويتمثل المسار الثاني، بحسب فاروق، في إخضاع بعض المحتجزين لبرامج مراجعة فكرية ومناصحة وإعادة تأهيل، تمهيدا لإعادة دمج من تنطبق عليهم الشروط، مع إمكانية الاستفادة من تجارب دول أخرى في التعامل مع العائدين من التنظيمات المتطرفة.
ولفت إلى أن هذه البرامج قد تستغرق عاما أو عامين، وفقا لطبيعة الحالة والبرنامج المعتمد، مؤكدا أن إعادة التأهيل لا تعني تجاوز المسؤولية الجنائية، بل تأتي ضمن معالجة الحالات التي تسمح أوضاعها القانونية بذلك.
أما المسار الثالث، فيتمثل في إصدار أحكام قضائية رادعة بحق من تثبت إدانتهم، بما في ذلك الجرائم الخطيرة التي ارتكبها عناصر التنظيم، مثل القتل والحرق والذبح، مع ضرورة أن تستند الأحكام إلى إجراءات قضائية وأدلة واضحة.
وشدد فاروق على أن جوهر المعالجة يتمثل في الانتقال من التعامل مع المعتقلين بوصفهم كتلة واحدة إلى تحديد الوضع القانوني لكل شخص، سواء انتهى الأمر إلى معاقبته أو تسليمه أو إخضاعه لبرنامج إعادة تأهيل.
اختبار أمني وقانوني
وأشار فاروق إلى أن وجود مقاتلين أجانب داخل السجون العراقية يفرض تحديات تتجاوز إدارة الاحتجاز، لتشمل تحديد المسؤوليات الجنائية، وضمان الإجراءات القانونية، والتنسيق مع الدول المعنية بمصير مواطنيها.
ورأى أن العراق يمكن أن يؤدي دورا محوريا في إدارة هذا الملف، عبر المحاكمات والتنسيق مع الدول المعنية ووضع أطر قانونية لإعادة التأهيل، بما يسمح بـ”تفكيك ملف المقاتلين الأجانب بهدوء بدلا من تركه مفتوحا على مخاطر أمنية وقانونية”.
ويعود ملف “المقاتلين الأجانب” إلى سنوات سيطرة “داعش” على مساحات واسعة من العراق وسوريا عام 2014، قبل أن يخسر التنظيم آخر مناطق سيطرته الإقليمية في سوريا عام 2019.
ومنذ ذلك الحين، بقي مصير آلاف الأجانب المشتبه في انتمائهم إلى التنظيم موضع خلاف بشأن المحاكمات والاستعادة وإعادة الإدماج.


