قد يكون لروسيا فرصة كوسيط، لكن ثمة عقبات كبيرة تحول دون لعبها دوراً أكثر حسماً.
فخلال اجتماع الأسبوع الماضي مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المساعدة في التوسط للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا المقترح هو الأحدث في سلسلة عروض روسية للقيام بدور الوسيط بين واشنطن وطهران ويحمل قدراً من المنطق، بحسب تحليل نشره موقع “ريسبونسيبل ستايت كرافت”.
مخاوف من تصعيد أكبر
وقال التحليل إنه في حين حققت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بعض المكاسب الاقتصادية لروسيا بفضل ارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن موسكو تخشى من تصعيد أكبر قد يمتد تأثيره ليشمل منطقة الخليج العربي وأجزاءً من الفضاء السوفياتي السابق.
وأشار إلى أن روسيا تعد واحدة من أقرب شركاء إيران، كما أنها من أكبر مصدري اليورانيوم المخصب في العالم؛ مما يعني أنها قد تساهم في كسر الجمود المحيط ببرنامج طهران النووي.
ومع ذلك، ستواجه موسكو صعوبة في نيل قبول الغرب ودول الخليج لدورها كوسيط، خاصة في ظل حرب أوكرانيا، وتزايد المخاوف لدى دول مجلس التعاون الخليجي من التهديد الإيراني، في وقت تزداد فيه روسيا تقارباً مع طهران.
ففي 2022، شهدت الشراكة بين إيران وروسيا تحولاً جوهرياً؛ مع دعم طهران لموسكو عبر تزويدها بمسيرات وإرسال مدربين لاستخدامها خلال حرب أوكرانيا واليوم، فقد بدأت كفة العلاقة تميل لصالح روسيا، نظراً لدورها كقوة مؤثرة تساعد إيران على تجاوز تداعيات الحرب.
أشكال دعم محتملة
وقال أنطون مارداسوف، الباحث المشارك في “معهد الشرق الأوسط” في موسكو “تسعى روسيا لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة لإيران”، بما في ذلك شراء الحبوب، وتقديم المساعدات الإنسانية، وربما أيضاً تبادل المعلومات الاستخباراتية”.
وأضاف أن هذا الدعم يأتي بالإضافة إلى مشاورات حول تنظيم الدفاع الجوي وتقديم المساعدة في تطوير الصواريخ، وهي مشاورات كانت جارية بالفعل قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
وبطبيعة الحال، فإن علاقات موسكو المتنامية مع طهران لا تضمن لها نفوذاً على عملية صنع القرار في إيران لكن مرداسوف أشار إلى اهتمام روسيا طويل الأمد بتسهيل نقل اليورانيوم المخصب من إيران، وما قد يتبعه من دعم لتطوير قطاعاتها الصناعية والنووية المدنية.
وسيخفف هذا الترتيب من التوترات بين إيران والولايات المتحدة، ويفتح الباب أمام عقود مربحة، ويُظهر الأهمية الدبلوماسية لروسيا، الأمر الذي قد يعزز موقفها في مفاوضات أوكرانيا.
فرص نجاح محدودة
لكن إيران لم تبد حتى الآن سوى اهتمام محدود بهذا المقترح، مما يحد من فرص نجاحه في المدى القريب فضلا عن وجود عقبات أخرى.
وأشار مارك كاتز، الأستاذ الفخري في جامعة جورج ميسون، إلى أن الظروف التي مهدت الطريق للاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 لم تعد قائمة ففي الفترة التي سبقت ذلك الاتفاق، كانت لدى جميع الأطراف مصلحة في التوصل إلى تسوية تفاوضية، مما أتاح لموسكو لعب دور دبلوماسي بناء أما اليوم، فقد تلاشت الرغبة في تقديم تنازلات.
وقال كاتز “قد يرغب الجميع في التوصل إلى اتفاق، لكن ليس وفق الشروط التي يقبلها الطرف أو الأطراف الأخرى”.
وتتزايد التعقيدات بسبب توقعات البيت الأبيض من روسيا؛ فقد يتوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نظيره الروسي الضغط على طهران لتقديم تنازلات تماماً كما قد يرغب بوتين في أن تضغط واشنطن على كييف لتقديم تنازلات لموسكو.
وإذا عجزت موسكو عن إقناع إيران بتعديل مواقفها، فستكون قيمتها بالنسبة للبيت الأبيض كوسيط محتمل محدودة للغاية.
وهناك مسألة أخرى تتعلق بمدى استعداد روسيا لممارسة ضغوط على إيران، فبحسب التحليل تقدر موسكو شراكتها مع طهران، وقد يؤدي ممارسة ضغوط مفرطة إلى الإضرار بالعلاقات الثنائية.
وأشار مرداسوف إلى أن “موسكو تسعى في المقام الأول إلى الترويج لمفهومها المقترح للأمن الجماعي؛ وهو مفهوم يفتقر إلى أي إمكانية للتحقق، ويبدو أشبه بمشروع مناهض للولايات المتحدة، يهدف إلى تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة”.
ووفقا للتحليل فإنه حتى لو ساهمت روسيا في تسهيل التواصل بين طهران وواشنطن، فليس من الواضح ما الذي يمكن أن تقدمه ولا تستطيع دول أخرى مثل باكستان أو سلطنة عُمان أو قطر أو تركيا القيام به.
هل هناك أرضية مشتركة؟
ويرى نيكيتا سماجين، الخبير غير المقيم في “المجلس الروسي للشؤون الدولية” أنه من غير المرجح أن تقدم روسيا شيئاً مختلفاً جوهرياً عما قد تقدمه دول أخرى.
وقال: “المشكلة الرئيسية بين الولايات المتحدة وإيران لا تكمن في غياب الوسطاء، بل في عجزهم عن إيجاد أرضية مشتركة للتسوية.. لذا، أشك في أن روسيا قادرة على فعل الكثير لردم هذه الفجوة”.
ونظراً لدعم موسكو لإيران ومحدودية نفوذها على طهران، فمن غير الواضح ما إذا كانت قادرة على انتزاع التنازلات التي تسعى إليها واشنطن فقد تتمكن روسيا من تسهيل بعض الترتيبات، لكن ذلك لن يحدث إلا إذا أبدى الطرفان استعداداً أكبر لتقديم تنازلات.


