يبرز منصب رئيس جهاز المخابرات العراقية، بوصفه أحد أكثر المواقع حساسية في معادلة الأمن والسياسة بالعراق، وسط حسابات المحاصصة والتوازن.

وأعاد انتهاء تكليف حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي، فتح النقاش بشأن هوية الشخصية التي ستتولى قيادة واحدة من أهم المؤسسات الأمنية في البلاد، في وقت تتداخل فيه اعتبارات الكفاءة المهنية مع الحسابات السياسية ومطالب التوازن في توزيع المناصب العليا.

وجاءت زيارة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، مساء الخميس، إلى مقر جهاز المخابرات، لتضع استقلالية المؤسسة وطبيعتها الوطنية في صدارة النقاش،.

إذ أكد أن الجهاز «لجميع العراقيين»، مشدداً على ضرورة إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية، باعتباره الدرع الحامي للعراق.

كما أعلن الزيدي دعمه الكامل للجهاز، والتزام الحكومة بتوفير متطلباته والعمل على تأهيله وتطوير قدراته، وفق أحدث الأساليب العلمية والتقنية.

وأشار إلى أن التحديات والأزمات والحروب التي تشهدها المنطقة، تستدعي مضاعفة الجهود الأمنية لحماية أمن البلاد واستقرارها.

وتكتسب هذه التصريحات، أهمية إضافية في ظل الجدل بشأن الجهة التي ستتولى تسمية رئيس الجهاز، والمعايير التي ستعتمد في الاختيار، خصوصاً أن قرار إنهاء تكليف الشطري الصادر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026 لم يتضمن تسمية بديل له، ما أبقى المنصب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة.

منصب يتجاوز الحسابات الإدارية

ولا تقتصر أهمية رئاسة جهاز المخابرات على كونها موقعاً قيادياً داخل المؤسسة الأمنية، بل ترتبط بطبيعة المهام التي يضطلع بها الجهاز، وفي مقدمتها حماية الأمن القومي، ومتابعة التهديدات الداخلية والخارجية، ومكافحة الإرهاب، وجمع المعلومات وتحليلها، فضلاً عن التنسيق مع الأجهزة النظيرة في الدول الأخرى.

ولهذا السبب، فإن اختيار رئيس الجهاز، لا يُعد مسألة إدارية، بل قراراً يرتبط بمستوى الثقة السياسية والأمنية، وبقدرة المؤسسة على العمل باستقلالية بعيداً عن التجاذبات، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات وتعدد التحديات الأمنية.

وفي هذا السياق، يطرح التنافس على المنصب سؤالاً بشأن طبيعة المعايير التي ستحكم الاختيار: هل ستكون الخبرة الأمنية والمهنية هي الأساس، أم إن التوازنات السياسية ستفرض حضورها مجدداً في تسمية المسؤول عن هذه المؤسسة؟

سباق على المناصب

يرى الكاتب والمحلل السياسي، سمير عبيد، أن التنافس على رئاسة جهاز المخابرات، يأتي ضمن مشهد أوسع يتسم بتسابق القوى السياسية على المناصب العليا في الدولة، محذراً من التعامل مع المؤسسات الحكومية بوصفها مواقع للنفوذ وتقاسم المصالح.

وقال عبيد، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «العراق يشهد سباقاً محموماً على المناصب، وكأنها غنائم، من دون اكتراث كافٍ للدستور والقانون أو للتحذيرات الصادرة عن القضاء».

وفي تفسيره لخلفيات انتهاء تكليف حميد الشطري، ذكر عبيد، أن الشطري هو من طلب إعفاءه من المنصب، لأنه لم يعد قادراً على العمل في ظل التنافس على المواقع والقفز على المناصب، ولم يكن مستعداً لتحويل الجهاز إلى ما وصفه بـ«شركة خاصة»، على حد قوله.

وأضاف، أن خطورة التنافس تكمن في اختلاف الأهداف التي قد تسعى بعض الأطراف إلى تحقيقها من خلال السيطرة على الجهاز؛ فهناك.

وعن احتمالات وصول شخصية سنية إلى رئاسة الجهاز، ومدى تأثير الحسابات الخارجية في حسم الاختيار، اعتبر عبيد أن العامل الأمريكي سيبقى مؤثراً في تحديد هوية المدير المقبل.

وفي المقابل، أكد عبيد أنه لا يرى مانعاً من تولي شخصية سنية مهنية ومستقلة ووطنية رئاسة الجهاز، لكنه حذر من وجود ما وصفه بـ«مخطط ناعم» بين أطراف سياسية شيعية وسنية، قد يكون تمهيداً لترتيبات موازية تتعلق بمنصب آخر.

وبشأن السيناريوهات المحتملة، أشار إلى أن العامل الأمريكي “سيكون حاضراً في حسم الملف”، كاشفاً عن “وجود ثلاث شخصيات وصفها بالمهنية، يجري تداولها للاختيار من بينها”، من دون أن يذكر أسماءها.

وشدد عبيد على أن من مصلحة جميع الأطراف إخراج جهاز المخابرات من المحاصصة، في ظل ما يواجهه العراق من تحديات ومخاطر كبيرة، لا تنفصل عن التهديدات التي تشهدها المنطقة عموماً.

استحقاق أم إعادة إنتاج للمحاصصة؟

وفي المقابل، يبرز ملف التوازن في توزيع المناصب الأمنية بوصفه أحد أبرز أوجه الجدل المرتبط برئاسة الجهاز، إذ تستند بعض الطروحات إلى ضرورة مراعاة التنوع في المواقع السيادية، وعدم تركيز إدارتها بيد مكوّن واحد.

وتستند هذه الرؤية إلى الأعراف السياسية التي تشكلت بعد عام 2003، والتي امتدت من المناصب التنفيذية إلى المواقع الأمنية والعسكرية، لتصبح جزءاً من التفاهمات السياسية المتعلقة بتوزيع المسؤوليات العليا.

وفي هذا الإطار، تبرز مطالب بإسناد رئاسة جهاز المخابرات إلى شخصية من المكون السني، استناداً إلى ما يُطرح بشأن التوازن بين المؤسسات الأمنية، ولا سيما مع تولي شخصيات من مكونات أخرى مواقع قيادية في مؤسسات أمنية مختلفة، وفق مراقبين.

لكن هذه المطالب تثير إشكالية تتعلق بالحد الفاصل بين ضمان المشاركة الوطنية وتحويل المؤسسات الأمنية إلى حصص سياسية؛ فالتوازن في تمثيل مكونات المجتمع لا يعني بالضرورة إخضاع المواقع الحساسة لمعادلات التفاوض الحزبي، خصوصاً أن طبيعة عمل جهاز المخابرات تتطلب استقلالية عالية وسرية في إدارة المعلومات والملفات الأمنية، وفق المراقبين.

مخاطر “الإدارة بالوكالة”

من جهته، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي العميد مخلد حازم، أن جهاز المخابرات الوطني يمثل إحدى المؤسسات الأساسية في حماية الأمن القومي العراقي، ولا سيما في ما يتعلق بالعمل الاستخباري الخارجي وملاحقة العناصر الإرهابية والتنسيق الأمني مع الدول الأخرى.

وقال حازم الذي شغل في السابق منصب مستشار أمني في رئاسة البرلمان العراقي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن رئاسة الجهاز ارتبطت في مراحل سابقة بتمثيل المكوّن السني، إلا أن هذا الاستحقاق، وفق رؤيته، لم يُحسم بصورة نهائية خلال السنوات الماضية، مع استمرار إدارة المنصب بالوكالة بدلاً من استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة لتثبيت رئيس أصيل.

وأوضح، أن استمرار إدارة الجهاز بالوكالة استدعى، بحسب تقديره، مبررات سياسية للإبقاء على الوضع القائم، في ظل وجود آراء داخل الطبقة السياسية الحاكمة، ترى أن المؤسسات الأمنية الحساسة ينبغي ألا تُسند إلى شخصيات من المكوّن السني، بسبب ما وصفه باستمرار أزمة الثقة السياسية.

وأضاف، أن هذه المعادلة لا تقتصر على جهاز المخابرات، بل تمتد إلى مواقع أمنية وعسكرية أخرى، مشيراً إلى أن مناصب مثل رئاسة أركان الجيش وقيادة القوة الجوية ووكالة الاستخبارات الداخلية شهدت، وفق طرحه، تغيرات في طبيعة التمثيل والتوازنات المرتبطة بها.

واعتبر حازم، أن عدم ترسيخ مبدأ المواطنة والتعايش السلمي وضمان الحقوق والتوازن في إدارة المؤسسات يترك انطباعات سلبية على طبيعة الحكم في بغداد، داخلياً وخارجياً.

وفيما يتعلق بإمكانية إسناد المنصب إلى شخصية سنية خلال المرحلة المقبلة، أشار إلى وجود حديث عن اتفاق بهذا الشأن، لكنه أكد عدم وجود مؤشرات حقيقية تؤكد قرب تنفيذ ذلك.

ورجّح، أن يستمر الجهاز في العمل برئاسة شخصية مكلفة من رئيس الوزراء، من دون استكمال إجراءات التصويت البرلماني على رئيس أصيل، معتبراً أن استمرار هذا الوضع لا يعالج الإشكالية المتعلقة بالتوازن والتمثيل في المؤسسات السيادية.

قيادة مهنية

وعلى خلاف الطروحات التي تركز على التوازن المكوّناتي باعتباره مدخلاً لحسم هوية رئيس الجهاز، تشدد مصادر مقربة من الحكومة العراقية، على ضرورة التركيز على طبيعة المؤسسة واستقلاليتها، واختيار شخصية تمتلك الخبرة الأمنية والإدارية اللازمة لقيادتها.

وقالت المصادر التي اشترطت عدم الكشف عن هويتها، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن جهاز المخابرات لم يشهد، تولي شخصية سياسية أو حزبية رئاسته، معتبرة أن بقاءه بعيداً عن القيادات الحزبية يمثل عاملاً إيجابياً ساعد في الحفاظ على طبيعة عمله ومهنيته.

وأضافت، أن الجهاز يضم شخصيات إدارية وأمنية تمتلك إمكانات وخبرات مهمة، وتمثل مختلف مكونات المجتمع العراقي، بما في ذلك المكونات الكردية والعربية السنية والعربية الشيعية والتركمان.

وبناءً على ذلك، رجّحت المصادر، أن يكون اختيار رئيس الجهاز من داخل المؤسسة نفسها، على أن تتوافر فيه الخبرة والكفاءة والمعرفة بطبيعة العمل الاستخباري ومتطلباته، بدلاً من إسناد المنصب إلى شخصية تأتي نتيجة تفاهمات حزبية أو سياسية.

وتربط المصادر، هذا التوجه بتصريحات رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ولا سيما تأكيده أن جهاز المخابرات مؤسسة وطنية لجميع العراقيين، وأنه ينبغي إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية.

واعتبرت، أن هذا الموقف يمكن فهمه بوصفه توجهاً نحو اعتماد معايير مهنية في اختيار القيادة المقبلة، بما يحافظ على استقلالية الجهاز ويمنع تحويله إلى ساحة للتنافس السياسي.

مقتضيات الأمن وحسابات السياسة

وتكشف قضية رئاسة جهاز المخابرات عن إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة إدارة المؤسسات السيادية في العراق، ومدى قدرة النظام السياسي على الفصل بين متطلبات التوازن الوطني ومصالح القوى الحزبية، بحسب المراقبين.

ففي الوقت الذي تبرز فيه مطالب بإنصاف المكونات وضمان مشاركتها في إدارة الدولة، تفرض طبيعة المؤسسات الأمنية معايير إضافية تتعلق بالكفاءة والخبرة والاستقلالية والقدرة على حماية المعلومات الحساسة من التوظيف السياسي.

وتكتسب تصريحات الزيدي، بشأن إبعاد الجهاز عن المحاصصة أهمية في هذا السياق، لكنها تضع الحكومة أمام اختبار عملي يتمثل في ترجمة هذا التوجه إلى آلية اختيار واضحة، لا تكتفي بالشعارات، بل تضمن أن تكون القيادة المقبلة مؤهلة لإدارة الملفات الأمنية المعقدة.

فالمعادلة الأكثر أهمية لا تكمن في هوية رئيس الجهاز بقدر ما تكمن في قدرته على حماية استقلالية المؤسسة، وضمان أن تكون ولاءاتها للدولة العراقية ومصالحها الوطنية، بعيداً عن أي حسابات حزبية أو فئوية.

تعاقب القيادات منذ 2004

ومنذ تأسيس جهاز المخابرات الوطني العراقي عام 2004، عقب سقوط النظام السابق، تعاقبت على رئاسته شخصيات متعددة، في ظل تحولات سياسية وأمنية شهدتها البلاد.

وكان محمد عبد الله الشهواني أول من تولى رئاسة الجهاز، واستمر في منصبه حتى عام 2009، وتُصنف خلفيته المكوّناتية ضمن المكوّن السني، مع ورود توصيفات له بأنه تركماني سني.

وخلفه زهير الغرباوي، الذي تولى المنصب بين عامي 2009 و2016، ثم مصطفى الكاظمي الذي قاد الجهاز منذ عام 2016 حتى انتقاله إلى رئاسة الحكومة عام 2020، وهما من المكوّن الشيعي.

وفي السنوات اللاحقة، تولى رائد جوحي رئاسة الجهاز لفترة وجيزة عام 2022، قبل أن يتولى رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني إدارة الجهاز، واستمر ذلك حتى تعيين حميد الشطري في ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي بقي في المنصب حتى إنهاء تكليفه في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن تولي رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مهام رئاسة الجهاز مؤقتاً، وجميع رؤساء الجهاز في هذه الفترة، من الشيعة.