تم تحديثه السبت 2026/10/31 01:51 م بتوقيت أبوظبي

وسط اتهامات للحكومة المركزية بتجاوز إرادة المؤسسات المنتخبة، وعجز عن تمكين الحكم المحلي وتحسين الخدمات الأساسية، تكشف أزمة الأقاليم في باكستان عن خلل يتجاوز الجدل بشأن التقسيم الإداري، ليطال طبيعة إدارة الدولة وتوزيع السلطات.

تتصاعد الخلافات في باكستان بشأن إعادة تقسيم الأقاليم، وسط انتقادات لنهج الحكومة المركزية في إدارة الدولة وتهميش المؤسسات المنتخبة، فيما تكشف أزمة الحكم المحلي عن خلل أعمق في توزيع السلطات، وعجز عن معالجة أوجه القصور في الحوكمة وتوفير الخدمات للمواطنين.

تهميش المؤسسات المنتخبة

في افتتاحية لصحيفة «داون» الباكستانية الناطقة بالإنجليزية، رأت الصحيفة أن استمرار طرح إنشاء أقاليم ووحدات إدارية جديدة يكشف عن خلاف يتجاوز حدود التقسيم الإداري، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، وحدود سلطة المؤسسات المنتخبة.

وأشارت الافتتاحية إلى أن رئيس حزب الشعب الباكستاني، بيلاوال بوتو زرداري، رفض أن تقرر أي جهة من خارج إقليم السند مستقبله، مستنداً إلى موقف سكان الإقليم وممثليهم المنتخبين، وإلى قرار برلمان السند الصادر مطلع سبتمبر/أيلول.

واعتبرت أن الدستور يحدد إجراءات واضحة لاتخاذ قرارات من هذا النوع، ويمنح البرلمان المنتخب لكل إقليم معني الكلمة الفصل، محذرة من أن الخلافات السياسية لا تبرر تجاوز المسار القانوني المحدد.

الحكومة الباكستانية وأزمة الأقاليم..مركزية القرار تهدد التوازن الداخلي - صورة 1

لكنها لفتت إلى أن التطورات في إقليم خيبر بختونخوا تكشف عن إمكانية تجاوز التفويض الشعبي، مشيرة إلى أن القرارات هناك لم تعد تُتخذ بواسطة الممثلين المنتخبين، وإنما بات يتولاها مسؤولون إداريون اختارتهم إسلام آباد.

وأضافت أن هناك أصواتاً داخل الائتلاف الحاكم تدعو إلى تقسيم جميع الأقاليم إلى وحدات أصغر وأكثر «قابلية للإدارة»، محذرة من إمكانية تضخيم هذه الدعوات وتحويلها إلى مبرر للتدخل في شؤون الأقاليم.

أزمة تتجاوز التقسيم الإداري

وفي انتقاد مباشر لطريقة إدارة الدولة، رأت «داون» أن السبب الرئيسي لفشل الحوكمة في باكستان لا يرتبط بالمساحة الجغرافية للأقاليم، وإنما بإحجام عواصمها عن تمكين هيئات الحكم المحلي ومنحها الصلاحيات اللازمة.

وأشارت إلى أن نظام الحكم المحلي بصورته الحالية لا يبدو قادراً على إحداث تغيير إيجابي على مستوى القواعد الشعبية، معتبرة أن إنشاء أقاليم جديدة لن يؤدي إلا إلى إضافة طبقات إدارية وبيروقراطية مكلفة، في وقت لا تستطيع فيه البلاد تحمل أعباء مالية إضافية.

وحذرت من أن المضي في إعادة التقسيم دون موافقة شعبية قد يشعل صراعات عرقية، مؤكدة أن البديل يتمثل في إحياء نظام الحكم المحلي وتوجيه الموارد إليه بصورة مدروسة، بما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

مقترحات دون توافق

وفي سياق متصل، تناول مقال للكاتب والمحامي شهاب أستو، نشرته صحيفة «داون»، مقترح إعادة هيكلة الدولة وإنشاء أقاليم جديدة، معتبراً أن الخطة المطروحة تثير تساؤلات بشأن دوافعها والجهات التي تقف وراءها، في ظل غياب مبررات رسمية ودراسات موثوقة تثبت وجود علاقة مباشرة بين صغر الوحدات الإدارية وتحسين الحوكمة.

وأشار إلى أن وزير الداخلية، الذي أعلن الخطة، تحدث عن سوء الحوكمة والتضخم السكاني والإخفاقات الهيكلية باعتبارها دوافع لإعادة التقسيم، لكنه لم يقدم شرحاً وافياً أو مبررات مقنعة لهذا التوجه.

الحكومة الباكستانية وأزمة الأقاليم..مركزية القرار تهدد التوازن الداخلي - صورة 2

وأكد أن معظم الأفكار المتعلقة بإعادة تشكيل بنية الدولة نشأت خارج الأطر السياسية المعتادة، وأن المواطنين كانوا الطرف الذي يتحمل نتائج فرض هذه التصورات، مشيراً إلى أن الحكومات والقيادات السياسية الرئيسية لم تطرح حتى الآن بصورة رسمية إعادة تقسيم الأقاليم.

خلافات

وكشف أستو عن غياب التوافق السياسي بشأن خطة إعادة الهيكلة، موضحاً أن حزب جمعية علماء الإسلام (ف)، وحزب عوامي الوطني، وحركة الإنصاف الباكستانية، إلى جانب الشريك الرئيسي في الائتلاف الحاكم، عارضوا التوجه المطروح.

وأضاف أن رئيس الوزراء وحزبه يبدوان مترددين أيضاً في تأييد إعادة الهيكلة، رغم دعم بعض الوزراء لها من دون موافقة مجلس الوزراء، فيما رفض برلمان السند تفكيك الإقليم.

واعتبر الكاتب أن اللجوء إلى استفتاء لتمرير الخطة لن يمنحها الشرعية المطلوبة، ولن يكون بديلاً عن التعديل الدستوري الإلزامي، محذراً من أن النظر إليه باعتباره وسيلة للالتفاف على الإجراءات الدستورية قد يثير غضباً شعبياً واسعاً.

تهديد التوازن الداخلي

وحذر أستو من أن فرض إعادة تقسيم الأقاليم خلافاً لإرادة السكان قد يؤدي إلى تفاقم سياسات الهوية والانقسامات العرقية في بلد يعاني بالفعل هشاشة اجتماعية وسياسية.

واستشهد بأوضاع معيشية واجتماعية صعبة، مشيراً إلى أن نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن نحو 28 مليون طفل خارج المدارس، فيما يعاني أربعة أطفال من كل عشرة التقزم، ويستهلك ثلاثة أرباع السكان مياهاً ملوثة، إلى جانب تدهور البيئة الأمنية بما ينفر المستثمرين المحليين والأجانب.

الحكومة الباكستانية وأزمة الأقاليم..مركزية القرار تهدد التوازن الداخلي - صورة 3

ورأى أن معالجة هذه الأزمات تتطلب حلولاً تستند إلى العدالة والإنصاف والسلام وتكافؤ الفرص والتنمية، بدلاً من فرض تغييرات إدارية قد تعمق الانقسامات القائمة.

وشدد على أن إعادة ضبط النظام السياسي ينبغي أن تبدأ ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز الحوكمة القائمة على سيادة القانون، وإتاحة المجال أمام قيادات شرعية وممثلة للشعب، من خلال انتخابات حرة ونزيهة تُجرى في مواعيدها.

وأكد أن إعادة هيكلة الدولة لا ينبغي أن تتجاهل الروابط التاريخية والثقافية والوجدانية التي تجمع سكان الأقاليم بأراضيهم، مشيراً إلى أن كثيرين في إقليم السند ينظرون إليه باعتباره كياناً تاريخياً غير قابل للتجزئة.