تم تحديثه الإثنين 2026/10/19 04:35 ص بتوقيت أبوظبي
بعد مرور 20 عاما على إجرائها أول اختبار لسلاح نووي، تمكنت كوريا الشمالية من بناء برنامج نووي متقدم في ظل عزلة دولية شبه كاملة.
فمنذ الاختبار الأول، تطور البرنامج النووي للبلاد في مختلف الاتجاهات، وأصبحت تمتلك ترسانة من الأسلحة والصواريخ المتقدمة، حتى في الوقت الذي كانت تكافح فيه لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لسكانها البالغ عددهم نحو 25 مليون نسمة، بحسب موقع «ذا ناشيونال إنترست».
فكيف حصلت كوريا الشمالية على القنبلة النووية؟
تعود طموحات كوريا الشمالية لامتلاك أسلحة نووية إلى عقود مضت، لكن أول محاولة جادة لتحقيق هذا الهدف خلال تسعينيات القرن الماضي تعثرت بفعل عوامل خارجية.
في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2006، أجرت كوريا الشمالية أول اختبار لسلاح نووي. ووقع الانفجار تحت الأرض، داخل نفق في منجم بموقع بونغيه-ري، وهو ميدان للتجارب النووية يقع في منطقة جبلية شمال شرقي البلاد.

ومثل الاختبار تتويجا لمساعٍ استمرت عقوداً لامتلاك أسلحة نووية، وجعل كوريا الشمالية الدولة التاسعة والأحدث انضماماً إلى النادي النووي، كما كانت أول دولة تجري اختباراً تفجيرياً نووياً فعلياً منذ باكستان عام 1998.
وأدان المجتمع الدولي الاختبار، وفرضت الأمم المتحدة عقوبات على بيونغ يانغ. ولفترة من الزمن، نجح المجتمع الدولي في حمل كوريا الشمالية على العودة إلى مسار «نزع السلاح النووي» في شبه الجزيرة الكورية، من خلال تفاهم ضمني يقضي بأن توافق الولايات المتحدة على إبقاء الأسلحة النووية خارج كوريا الجنوبية، مقابل تخلي بيونغ يانغ عن برنامجها النووي.
الطموحات النووية الكورية الشمالية.. جذور ممتدة
يمكن إرجاع الطموحات النووية لكوريا الشمالية إلى الحرب الكورية، التي دمرت شبه الجزيرة، وفاقمت بصورة مفهومة مخاوف بيونغ يانغ من القوة العسكرية الأمريكية. فقد درست الولايات المتحدة إمكانية استخدام الأسلحة النووية خلال الحرب، قبل أن يقيل الرئيس هاري ترومان، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، الجنرال دوغلاس ماك آرثر بسبب رفضه التخلي عن هذه الفكرة.
وفي عام 1958، نشرت واشنطن أسلحة نووية في كوريا الجنوبية، ما منح كوريا الشمالية مبرراً واقعياً للقلق، وعزز رغبتها في امتلاك أسلحة نووية خاصة بها.
بدأ البرنامج النووي الكوري الشمالي في خمسينيات القرن الماضي، عندما ساعد الاتحاد السوفياتي بيونغ يانغ على إنشاء برنامج مدني للأبحاث النووية.

وركزت المراحل الأولى على البحث العلمي واكتساب الخبرات التقنية، بدلاً من تطوير الأسلحة. لكن كوريا الشمالية تمكنت تدريجياً من بناء القدرات المحلية اللازمة لإنتاج مواد نووية صالحة للاستخدام في الأسلحة.
ومهدت المساعدة السوفياتية الطريق أمام كوريا الشمالية، لكن موسكو رفضت مساعدتها على تطوير برنامج للتسلح النووي، ما دفع بيونغ يانغ إلى اكتساب المعارف والخبرات الضرورية تدريجياً عبر كوادرها المحلية، بحسب «ذا ناشيونال إنترست».
تقدم كبير
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أحرزت كوريا الشمالية تقدماً كبيراً في المجال النووي، ووسعت المجمع النووي في يونغبيون، ونصبت مفاعلاً يعمل بالغرافيت بقدرة كهربائية تبلغ 5 ميغاواط، وبدأ تشغيله عام 1986.
وكان بإمكان المفاعل إنتاج البلوتونيوم داخل الوقود النووي المستهلك، الذي يمكن فصله كيميائياً واستخدامه في تصنيع الأسلحة النووية. كما طورت كوريا الشمالية البنية التحتية اللازمة لإعادة معالجة الوقود، ما أتاح لها مساراً لإنتاج المواد المستخدمة في التفجيرات النووية.

وعلى الرغم من انضمام كوريا الشمالية إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1985، نشبت خلافات بشأن عمليات التفتيش التابعة للأمم المتحدة، وبدأت المنظمة الدولية تشتبه في أن بيونغ يانغ تنفذ أنشطة نووية غير معلنة.
وبلغت الأزمة ذروتها عام 1993، عندما رفضت كوريا الشمالية عمليات التفتيش الدولية وأعلنت انسحابها من المعاهدة، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى دراسة الخيارات العسكرية.

لكن الأزمة احتُويت عبر «الإطار المتفق عليه بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية»، الذي تعهدت بيونغ يانغ بموجبه تعليق انسحابها من المعاهدة وتجميد برنامج مفاعلاتها العاملة بالغرافيت.
ولم تكن العوامل الدولية وحدها وراء تقديم بيونغ يانغ تنازلات في الملف النووي؛ إذ أسهمت الظروف الداخلية أيضاً في ذلك. فمنذ عام 1994، تسببت مجموعة من الكوارث الطبيعية وسوء الإدارة الاقتصادية وتعليق المساعدات القادمة من الاتحاد السوفياتي السابق في مجاعة واسعة النطاق داخل كوريا الشمالية، أودت بحياة مئات الآلاف من الكوريين الشماليين على الأقل، ودفعت الحكومة إلى السعي لتخفيف العقوبات.
وخلال ما تبقى من العقد، سعى الطرفان إلى تطبيع العلاقات، وصولاً إلى اتخاذ خطوات تمهيدية لتفكيك البرنامج النووي.
عام 2006.. كوريا الشمالية تمتلك القنبلة النووية ولا تتراجع
لكن كوريا الشمالية طردت في نهاية المطاف المفتشين الدوليين، وأعادت تشغيل منشآتها النووية. وفي عام 2003، أعلنت بيونغ يانغ انسحابها من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأبدت عدم استعدادها لاستئناف المفاوضات التي أفضت إلى عودتها عن قرار الانسحاب خلال تسعينيات القرن الماضي.
وحققت كوريا الشمالية اختراقها النووي في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2006. وأكدت مراقبة النشاط الزلزالي وقوع انفجار تحت الأرض، بما يتوافق مع إعلان بيونغ يانغ نجاح الاختبار. وقدّرت قوة الانفجار بنحو كيلوطن واحد، وهي قوة محدودة نسبياً، لكن أهمية الاختبار تمثلت في تجاوز عتبة امتلاك سلاح نووي واختباره فعلياً.

واعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1718، الذي فرض عقوبات على كوريا الشمالية. لكن بيونغ يانغ كانت قد وضعت برنامجاً نووياً عسكرياً أكثر رسوخاً على المسار الصحيح.
وبعد مرور 20 عاماً، أجرت كوريا الشمالية خمسة اختبارات نووية إضافية، كان أحدثها عام 2017، وطورت رؤوساً حربية أكثر قوة وصواريخ باليستية أكثر تطوراً.
واليوم، أصبحت كوريا الشمالية دولة نووية فعلية، يُعتقد أن ترسانتها تضم مئات الأسلحة النووية.


