تم تحديثه الثلاثاء 2026/10/27 08:57 ص بتوقيت أبوظبي
ملفات عديدة تجعل الانتخابات الإسرائيلية واحدة من أكثر الاستحقاقات أهمية في السنوات الأخيرة.
فإسرائيل تتجه اليوم الثلاثاء، إلى انتخابات عامة تحمل تداعيات تتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل، لتشمل اتجاه البلاد السياسي والأمني، ومستقبل علاقاتها الدولية، وطبيعة سياساتها تجاه الفلسطينيين.
وفي هذا الصدد، تقول شبكة “سي إن إن” الأمريكية، في تحليل لها طالعته “العين الإخبارية”، إنه عندما يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، اليوم، سيواجهون سؤالا مألوفا “هل ينبغي لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ البلاد، أن يستمر في السلطة؟”.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية لكونها الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي قادته حركة حماس، وما أعقبه من حروب في غزة ولبنان وإيران، وتداعيات أمنية وسياسية.
وهي أحداث تشير “سي إن إن” إلى أنها أعادت الأمن إلى صدارة النقاش السياسي، لكنها فتحت أيضا أسئلة عن مسؤولية القيادة، وكلفة المواجهات العسكرية، ومستقبل العلاقة بين إسرائيل ومحيطها الدولي.
نتنياهو في مواجهة خصومه
على مدى سنوات، تحولت الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة إلى استفتاء سياسي على نتنياهو، أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاء في المنصب.
لكن هذه المرة، وفق التحليل، تتداخل شخصيته السياسية مع ملفات أكثر حساسية، في مقدمتها الإخفاقات الأمنية المرتبطة بهجوم 7 أكتوبر، والحروب التي تلته، والانقسام الداخلي بشأن مستقبل المؤسسات الإسرائيلية.
فحكومة نتنياهو المنتهية ولايتها — وهي أول حكومة منذ عقود تكمل ولايتها الكاملة الممتدة لأربع سنوات — اعتمدت على شركاء من اليمين المتطرف والتيارات الدينية المتشددة (الحريديم)، مما دفع إسرائيل نحو مسار أكثر قومية وتدينا من أي وقت مضى.
وقد أصبح نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يمثل أمام القضاء وهو في منصبه بتهم فساد، في الوقت الذي سعت فيه حكومته إلى تنفيذ إصلاحات قضائية تهدف إلى إضعاف المحكمة العليا وتقليص آليات الرقابة على السلطة، وهي مساع أثارت احتجاجات واسعة النطاق في عام 2023.
لكن وجود هذه الملفات لا يعني بالضرورة أن خسارته محسومة، فالمنافسة، كما يوضح تحليل “سي إن إن”، تتأثر أيضا بمخاوف الإسرائيليين الأمنية، وبمدى ثقتهم في قدرة كل مرشح على إدارة التهديدات الإقليمية. ومن هنا تبرز أهمية منافسه الرئيسي، غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب “ياشار” الوسطي.
آيزنكوت يتقدم.. لكن الفوز لا يكفي
أظهر عدد من استطلاعات تقدما لحزب “ياشار” بقيادة آيزنكوت على حزب الليكود بزعامة نتنياهو، وإن كانت النتائج تختلف من استطلاع إلى آخر.
فقد منح استطلاع للقناة 12 حزب آيزنكوت 23 مقعدا مقابل 21 لليكود، بينما أظهرت استطلاعات أخرى أفضلية أكبر لليكود.
غير أن هذه الأرقام لا تحسم هوية رئيس الحكومة المقبل، إذ يعتمد النظام السياسي الإسرائيلي على التمثيل النسبي، وتتنافس الأحزاب على مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعدا.
ولا يدخل الحزب البرلمان إلا إذا تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات.

والأهم من تصدر حزب بعينه هو قدرة المعسكر الذي ينتمي إليه على جمع 61 مقعدا وهو الحد الأدنى لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية، فبحسب استطلاعات رأي، يُتوقع أن يحصل معسكر نتنياهو على ما بين 49 و55 مقعدا، أي أقل من الأغلبية المطلوبة.
وفي المقابل، تبدو قوى المعارضة متقدمة في بعض التقديرات، لكنها تضم أحزابا متباينة في توجهاتها السياسية، من اليمين إلى الوسط واليسار.
وبذلك، قد لا تكون ليلة الانتخابات نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية، حيث يصبح تشكيل الائتلاف الحكومي أهم من ترتيب الأحزاب في صناديق الاقتراع.
معضلة الائتلاف.. هل تقود الانتخابات إلى طريق مسدود؟
تكمن صعوبة المشهد في أن المعارضة لا تتحرك باعتبارها كتلة متجانسة. فإلى جانب آيزنكوت، توجد قوى يقودها رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ووزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، فضلا عن حزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان.
وتختلف هذه القوى في توجهاتها، كما أن بعض قادتها لديهم طموحاتهم الخاصة لرئاسة الحكومة.
وتزداد الحسابات تعقيدا مع احتمال الحاجة إلى دعم الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت ضد حكومة بديلة. لكن بعض قادة المعارضة استبعدوا التعاون معها، ما يضيّق الخيارات المتاحة أمام تشكيل أغلبية.
ومن هنا، تبرز عدة سيناريوهات، من بينها استمرار حالة الجمود السياسي، أو تشكيل حكومة أقلية، أو حكومة وحدة، وصولا إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى اتفاق.
وهذا يعني أن نتيجة الانتخابات قد لا تمنح إجابة سريعة عن سؤال من سيحكم إسرائيل، بل قد تكشف حجم الانقسام داخل النظام السياسي ومدى قدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها.

الاقتصاد والتجنيد
وعلى الرغم من مركزية نتنياهو والأمن في المعركة الانتخابية، فإن الناخبين يواجهون أيضا قضايا داخلية تمس حياتهم اليومية.
ووفق استطلاع أورده تحليل “سي إن إن”، جاءت الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة في مقدمة أولويات الناخبين بنسبة 21%، تلتها قضية تجنيد اليهود المتشددين دينيا بنسبة 17%، ثم الإخفاقات المرتبطة بهجوم 7 أكتوبر بنسبة 14%، والحرب مع إيران بنسبة 10%.
وتكشف هذه الأرقام عن اختلاف واضح في أولويات المعسكرات السياسية. فبين مؤيدي معسكر نتنياهو، تصدرت الحرب مع إيران قائمة الاهتمامات، بينما جاءت الإخفاقات المرتبطة بهجوم 7 أكتوبر في المرتبة الأولى لدى مؤيدي المعارضة.
أما قضية التجنيد، فتتجاوز الخلافات الحزبية إلى مسألة توزيع الأعباء داخل المجتمع الإسرائيلي. فقد خدم جنود الاحتياط في عمليات متكررة خلال سنوات الحرب، فيما تتواصل الاعتراضات على إعفاء قطاعات من اليهود المتشددين دينيا من الخدمة العسكرية.
ووفق تقديرات إسرائيلية يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى أكثر من 12 ألف فرد إضافي، ما يزيد من حساسية القضية.
الفلسطينيون.. هل تتغير السياسات بتغير الحكومة؟
وإذا كانت الانتخابات ستحدد ملامح السياسة الداخلية الإسرائيلية، فإن تداعياتها لن تتوقف عند حدود إسرائيل، خصوصا بالنسبة إلى الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، تشير “سي إن إن”، إلى أن الحكومة المنتهية ولايتها بأنها من أكثر الحكومات تشددا تجاه الفلسطينيين. فقد دفع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش باتجاه توسيع الاستيطان، واتخذ إجراءات شملت حجب إيرادات ضريبية مستحقة للسلطة الفلسطينية.
كما دعم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير سياسات أكثر تشددا، من بينها قانون عقوبة الإعدام في حالات محددة وتشديد ظروف احتجاز الأسرى.
كذلك عارض كل من سموتريتش وبن غفير إنهاء الحرب في غزة، ودعما أفكارا تتعلق بإقامة مستوطنات إسرائيلية في القطاع وبفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.
ومن هذا المنطلق، تشير “سي إن إن” إلى أن عودة نتنياهو إلى الحكم بالتحالفات نفسها قد تتيح استمرار هذه السياسات أو تصعيدها، بالنظر إلى نفوذ شركائه من اليمين المتطرف.
لكن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية.
فآيزنكوت نفسه يرفض إقامة دولة فلسطينية، ما يعني أن الفجوة بين المعسكرات الإسرائيلية قد تكون أضيق في هذا الملف مما توحي به الخلافات الداخلية.
ومع ذلك، قد يظهر اختلاف في أسلوب إدارة القضية، إذ قد تكون حكومة بديلة أكثر استعدادا لاتخاذ إجراءات ضد عنف المستوطنين، وأقل اندفاعا نحو الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين أو انهيار السلطة الفلسطينية، كما قد تكون أكثر تقبلا للمبادرات الأمريكية والإقليمية.

العزلة الدولية.. كلفة تتجاوز حدود المعركة الانتخابية
ولا ينفصل هذا الملف عن مكانة إسرائيل الدولية. فالحروب المتعاقبة والعنف المرتبط بالمستوطنين أسهما، بحسب “سي إن إن”، في تدهور العلاقات الإسرائيلية مع عدد من الدول، وفي زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها.
ويواجه نتنياهو مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة، وهي اتهامات يرفضها الجانب الإسرائيلي.
كما خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل واصلت ارتكاب “إبادة جماعية” في غزة بعد وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، بينما رفضت إسرائيل هذا الاتهام.
وفي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في مارس/آذار الماضي أن 60% من البالغين الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما قال 59% إن ثقتهم بنتنياهو في إدارة الشؤون الدولية محدودة أو معدومة.
أما في أوروبا، فقد اعترفت دول مثل بريطانيا وفرنسا وكندا بدولة فلسطين، كما اتخذت بعض الدول إجراءات وعقوبات تتصل بالمستوطنات وبأفراد وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين.
كذلك واجه سموتريتش وبن غفير عقوبات وقيودا على السفر في عدد من الدول الغربية.


