تتوالى الهجمات الجوية التي تطال الأسواق ومناطق تجمع المدنيين في السودان، مخلفةً عشرات القتلى والجرحى، في تصعيد يضع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان أمام أسئلة متزايدة بشأن أهداف عملياته العسكرية التي تستهدف المدنيين.

وفي أحدث هذه الهجمات، أسفرت ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت سوقًا في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مساء الإثنين، عن مقتل 21 شخصًا وإصابة أكثر من 40 آخرين، بحسب مصدر طبي وشهود نقلت عنهم وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

نيالا.. سوق جديد في دائرة القصف.

ولا تمثل ضربة نيالا واقعة معزولة؛ ففي 16 أكتوبر/تشرين الأول، أدى هجوم بطائرة مسيّرة للجيش السوداني على سوق للمواشي في المدينة إلى مقتل 30 شخصًا وإصابة 47 آخرين، وفق مصدر طبي تحدث إلى وكالة الصحافة الفرنسية.

وتكشف هذه الوقائع اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، إذ باتت الضربات الجوية قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، بينما يجد المدنيون أنفسهم في مرمى النيران داخل الأسواق ومراكز النقل والتجمعات اليومية.

ويعني سقوط الضحايا في هذه المواقع أن الخسائر لا تتوقف عند الأرواح التي تُزهق، بل تمتد إلى مصادر رزق السكان، وحركة التجارة، وإمكانية حصول الأسر على الغذاء والدواء. فالسوق الذي يقصده المدنيون لتأمين احتياجاتهم يتحول، في لحظات، إلى موقع للقتل والإصابات والدمار، فيما تواجه العائلات صدمة فقدان ذويها في أماكن يفترض أن تكون جزءًا من الحياة اليومية لا ساحة للقتال.

الدبيبات وأبيي.. حصيلة دامية تتجاوز مئة قتيل

وفي تطور آخر، شهدت منطقة الدبيبات بولاية غرب كردفان ضربة بطائرة مسيّرة قرب سوق ومركز لتجمع المسافرين، أسفرت، وفق تقارير نقلت عن سكان وعاملين طبيين، عن مقتل نحو 80 شخصًا في موقع الهجوم. كما تحدثت التقارير عن وفاة مصابين آخرين بعد نقلهم إلى منطقة المجلد، لترتفع حصيلة الضحايا في بعض الروايات إلى أكثر من مئة قتيل.

وفي أبيي، المنطقة المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، استهدفت ضربة بطائرة مسيّرة سوق أُمِّيت في 19 أكتوبر/تشرين الأول، وأفادت السلطات المحلية بأن عدد القتلى بلغ 153 شخصًا، مع إصابة آخرين ونشوب حريق في مستودع للوقود.

واتهم مسؤولون محليون الجيش السوداني بتنفيذ الضربة، فيما أشار مسؤول عسكري سوداني إلى أن الهجوم استهدف صهاريج وقود قال إنها كانت تمد قوات الدعم السريع بالإمدادات، وزعم أن القتلى كانوا من عناصر القوات أو من مهربي الوقود.

وأدانت الأمم المتحدة الهجمات في المنطقة، مشيرة إلى مقتل مدنيين وإصابة آخرين وفقدان أشخاص.

قصف الأسواق.. ما مسؤولية الجيش؟

وتؤكد قوى مدنية سودانية أن الجيش يوسع نطاق عملياته الجوية على نحو يعرّض المدنيين للخطر، وترى أن تكرار الضربات في الأسواق والمناطق المأهولة يستدعي التحقيق في الأهداف الفعلية لهذه العمليات، وما إذا كانت الخسائر المدنية متناسبة مع أي ميزة عسكرية يُدّعى تحقيقها.

وقال عثمان عبد الرحمن، الناطق الرسمي باسم القوى المدنية المتحدة «قِمم»، في تصريحات سابقة لـ«العين الإخبارية»، إن وتيرة القصف بالطائرات المسيّرة تصاعدت خلال الأسبوعين الماضيين، مستهدفة أسواقًا في نيالا والضعين ومناطق أخرى. واتهم قيادة الجيش، التي قال إن الحركة الإسلامية تؤثر في قراراتها، بتحويل الحرب من مواجهة عسكرية إلى استهداف للحاضنات الاجتماعية لقوات الدعم السريع، بما يؤدي إلى ترويع السكان وتهجيرهم.

كما طالب عبد الرحمن بتحرك دولي يتجاوز بيانات الإدانة، داعيًا إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات التي تطال المناطق المدنية، وإلى اتخاذ خطوات تمنع تكرارها. وهذه اتهامات صادرة عن جهة سياسية مدنية، وتحتاج الوقائع المتعلقة بكل ضربة إلى تحقيق مستقل يحدد المسؤولية والأهداف والملابسات.

ماذا يقول القانون الدولي؟

ويفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، كما يلزمها باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، ويحظر الهجمات العشوائية والعمليات التي يُتوقع أن تؤدي إلى خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المرجوة.

وعليه، فإن أي ضربة تصيب سوقًا مكتظة أو مركزًا مدنيًا للنقل تستدعي فحصًا دقيقًا لطبيعة الهدف، والمعلومات التي استند إليها منفذو الهجوم، والاحتياطات التي اتُخذت قبل التنفيذ، وحجم الأضرار التي كان يمكن توقعها. وإذا ثبت وقوع انتهاكات، فلا ينبغي أن تتوقف المساءلة عند منفذي الضربات، بل يجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط أو إصدار الأوامر أو التنفيذ.

مدنيون يدفعون ثمن التصعيد.

تتواصل الحرب السودانية منذ أبريل/نيسان 2023، وقد أودت بحياة أعداد هائلة من الأشخاص، وأدت إلى نزوح الملايين وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، يضاعف استهداف الأسواق ومراكز النقل والمرافق الحيوية من معاناة السكان، ويهدد ما تبقى من شبكات التجارة والإمداد والخدمات التي يعتمدون عليها للبقاء.

وحذرت عشرات الدول، من بينها الولايات المتحدة وقوى أوروبية كبرى، من أن السودان يشهد تدهورا مقلقا في أمنه الغذائي، ودعت طرفي النزاع في البلاد إلى “إزالة جميع العوائق أمام المساعدات الإنسانية”.

وقالت الدول، في بيان مشترك، إنه في ظل احتمال حدوث مجاعة، فإنها تدعو المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل وتحث المؤسسات المالية على تكييف برامجها القائمة بما يتناسب مع وضع الأمن الغذائي.

وجاء في البيان المشترك الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية: “يشهد السودان تدهورا مقلقا في أمنه الغذائي. إن خطر المجاعة خلال الأشهر المقبلة، الذي حذرت منه مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يتطلب تحركا عاجلا”.

وأضاف البيان: “يتحمل طرفا النزاع المسؤولية الرئيسية عن تخفيف معاناة الشعب السوداني”.

ويخوض الجيش السوداني قتالا ضد قوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023، وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو في سبتمبر/أيلول الماضي: “لا يزال السودان يواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم”، حيث يعاني 20 مليون شخص من الجوع الحاد، فيما نزح 14 مليون شخص.

وفي يونيو/حزيران، قالت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي جهة عالمية لرصد الجوع مدعومة من الأمم المتحدة، إن 5.1 مليون شخص في السودان يواجهون جوعا حادا. ويكافح المزارعون لحصاد محاصيلهم منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2023، كما واجهوا موجة جفاف في الآونة الأخيرة.

وحث البيان المشترك طرفي النزاع على السماح بالعمليات الإنسانية عبر جميع المسارات العابرة لخطوط القتال والحدود.

كما دعا البيان الطرفين “لضمان استمرار وجود العاملين في المجال الإنساني وحمايتهم” في أنحاء السودان وعدم شن هجمات على البنية التحتية المدنية.

ووقعت على هذا البيان الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب المفوضة الأوروبية للمساواة والاستعداد وإدارة الأزمات، وغيرها.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية الشهر الماضي إنه لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا أي من قادتهما “يمثلون حكما شرعيا ودستوريا للسودان”.