تفاقم الحرب والعقوبات تداعيات سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية للنظام الإيراني، لتدفع الأسر ثمن سياساته، وسط تضخم قياسي وتآكل الدخول وتراجع فرص العمل، بما يهدد مقومات المعيشة اليومية.
لم تجد الأسر الإيرانية بدا من تقليص إنفاقها على الغذاء والسكن والتعليم في ظل الحرب المستمرة منذ 8 أشهر مع الولايات المتحدة، والتي تغذي واحدة من أسوأ موجات التضخم التي شهدتها طهران منذ عقود، مما أدى إلى تآكل الدخل ودفع الأسر إلى حافة الهاوية.
وتتجاوز آثار هذه الضغوط حدود المدن الكبرى. ويقول العمال إن الأجور لم تعد تكفي لتغطية النفقات الأساسية، في حين تواجه الشركات ارتفاعا في التكاليف وتراجعا في الطلب، إذ تنفق الأسر معظم ميزانياتها على الغذاء والإيجار والضروريات الأخرى.
- حرب إيران تكبح نمو إصدار السندات العالمية.. الأبطأ في 5 سنوات
بدأ الصراع على أثر الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط وتلاه إغلاق طهران مضيق هرمز والحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، مما عطل صادرات النفط والتجارة وإيرادات الحكومة. وفاقمت هذه الاضطرابات من تأثير سوء الإدارة الاقتصادية والعقوبات التي تئن إيران تحت وطأتهما منذ عقود.
وتحدثت رويترز إلى أكثر من 20 شخصا من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة في أنحاء إيران، قالوا إن تدهور الأوضاع جعلهم يجدون صعوبة في توفير الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم.
وقال محمد علي، وهو صاحب متجر يبلغ من العمر 47 عاما وأب لطفلين في مدينة مشهد بشمال شرق إيران “ليس لدينا مال ولا مستقبل ولا أمل. لقد سئمنا العيش في خوف.. الخوف من هجوم أمريكي آخر ومن عدم قدرتنا على تغطية نفقاتنا في نهاية كل شهر”.
وأفادت وسائل الإعلام الحكومية بأن وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة قدما اعتذارا الثلاثاء للشعب بسبب ما يواجهه من ضغوط متزايدة فيما يتعلق بتكاليف المعيشة، مشيرا إلى أن المتقاعدين والعمال والموظفين المدنيين يتحملون العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار والتضخم المرتفع.
ولم تظهر بوادر تذكر على تراجع موجة التضخم في إيران. فالبيانات والأرقام الرسمية التي نقلتها وسائل الإعلام الحكومية تشير إلى أن أسعار المستهلكين في سبتمبر/ أيلول قفزت بنحو 90% عن الشهر ذاته من العام السابق، في حين تسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6%.
- 80 مليون دولار للناقلة.. حرب إيران تعرقل تدفقات النفط الأمريكي إلى آسيا
وارتفعت أسعار المواد الغذائية بوتيرة أسرع. فقد زادت كلفة المواد الغذائية والمشروبات 121.8% عنها قبل عام، مما أجبر العديد من الأسر على خفض الإنفاق في مجالات أخرى.
الأسعار تتجاوز الرواتب
بالنسبة لمحمود، الموظف الحكومي البالغ من العمر 44 عاما في مدينة أصفهان بوسط إيران، تتسع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة كل شهر.
وقال “لا يمكنني بمرتبي الذي يقل عن 100 دولار تدبير أموري سوى 10 أيام.. أنا وزوجتي نكذب على بناتنا طوال الوقت عندما يطلبن لعبة أو ملابس جديدة”.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة من الطبقة العاملة مكونة من 3 أفراد يقارب 336 دولارا، أي أكثر من 3 أضعاف متوسط الراتب الشهري البالغ نحو 92 دولارا بسعر الصرف السائد في السوق الحرة.

ونظرا لعدم مواكبة الأجور معدل التضخم، استنفد العديد من الأسر مدخراتها أو خفضت استهلاكها أو اقترضت أموالا لتغطية نفقاتها اليومية. وسرعان ما تجاوز ارتفاع الأسعار الزيادات في الأجور التي أدخلتها الحكومة.
وبالنسبة للعديد من الإيرانيين، لم يعد التحدي يتمثل في الحفاظ على مستوى معيشتهم، وإنما في تجنب الانهيار المالي.
قالت حميدة، وهي أم لطفلين تبلغ من العمر 39 عاما وتعيش في مدينة رشت في الشمال “اضطررنا إلى الانتقال إلى منزل والديّ الشهر الماضي لأن زوجي فصل من عمله في مصنع صغير للبلاط في مايو. أنفقنا كل مدخراتنا. لكن زوجي لا يزال عاطلا عن العمل ولم نعد قادرين على تحمل الإيجار”.
وزاد ارتفاع تكاليف السكن من الضغوط على ميزانيات الأسر. وتظهر البيانات الرسمية أن الإيجارات ارتفعت في سبتمبر/ أيلول 32.8 بالمئة عنها قبل عام، في حين زادت تكاليف السكن والمرافق والوقود بنحو 38%.
ويمتد هذا الضغط ليشمل سوق العمل. فقد ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1% في الربيع، بزيادة 1.8 نقطة مئوية عن العام السابق. وانخفض معدل مشاركة القوة العاملة في الاقتصاد إلى 40.7%، مما يشير إلى انخفاض عدد الإيرانيين في سن العمل الذين يعملون أو يبحثون بنشاط عن عمل. ويبلغ معدل البطالة بين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما ما يقرب من الربع.
قالت فيروز (23 عاما)، التي تعيش مع والديها في مدينة أورميه بشمال غرب إيران “أبحث عن عمل منذ تخرجي في تخصص الإعلان، لكن بعد بحث لأشهر بدأت أفقد الأمل. الشركات تخفض ميزانياتها ولا توظف. معظم زملائي في الدراسة إما عاطلون عن العمل أو يعملون في مجالات لا علاقة لها بما درسوه”.
حلم بعيد المنال
قال شهريار، البالغ من العمر 25 عاما “والداي موظفان حكوميان. كان حلمهما إرسالي إلى الخارج لأصبح طبيبا. لكن بعد الدراسة عامين في تركيا، لم أستطع دفع الرسوم الدراسية لهذا العام وسأعود إلى الوطن”. وأضاف أن العديد من أصدقائه يمرون بالوضع نفسه.
وقال محللون إن العقوبات الموسعة التي فرضتها واشنطن زادت من الضغوط الاقتصادية على الإيرانيين العاديين. وأُعلن عن هذه العقوبات في 24 أغسطس/آب آب ضمن عملية “الإقصاء الاقتصادي” التي تهدف إلى قطع تمويل طهران للحرب.
وتتعرض الشركات لضغوط. فقد أدت العقوبات والاضطرابات المرتبطة بالحرب إلى ارتفاع كلفة الواردات وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية والمواد الخام، في حين يواجه تجار التجزئة والشركات الصغيرة تكاليف تشغيل أعلى مع تراجع الطلب، مما يهدد الإيرادات والوظائف.
أما بالنسبة لحكام إيران، فيتمثل التحدي في الحفاظ على الواردات الأساسية والخدمات العامة مع تمويل صراع مكلف. وقال محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول إن مزاعم الولايات المتحدة بأن الاقتصاد الإيراني ينهار إنما هي “وهم”.
ويمثل تدهور مستويات المعيشة أيضا تحديا سياسيا متزايدا للسلطات، التي لا تزال تخشى أن يؤدي تفاقم الأوضاع الاقتصادية إلى إشعال فتيل الاضطرابات على مستوى إيران من جديد.
وغذت المظالم الاقتصادية موجات متكررة من الاحتجاجات في السنوات القليلة الماضية، وهو ما يثير قلق المسؤولين تجاه أي مؤشرات على أن الحرب والتضخم وارتفاع معدلات البطالة تدفع صبر المواطنين إلى النفاد.


