رغم دخول إسرائيل مرحلة من الضبابية السياسية بعد انتخابات لم تحسم هوية الأغلبية البرلمانية، لا يزال بنيامين نتنياهو يتولى رئاسة الحكومة بصفتها حكومة تصريف أعمال، وهو وضع يفرض قيودًا على بعض قراراتها، لكنه لا يسلبها الصلاحيات القانونية اللازمة للتعامل مع ال.

وتكتسب هذه الصلاحيات أهمية خاصة في ظل استمرار التوتر مع إيران، وتحذيرات المعارضة من احتمال توظيف القضايا الأمنية في الحسابات السياسية، بالتزامن مع مفاوضات مرتقبة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وأظهرت النتائج الأولية لانتخابات الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عدم تمكن معسكر نتنياهو اليميني أو تكتل المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت من الحصول على الأغلبية المطلوبة في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا، أي 61 مقعدًا على الأقل. ويترك هذا المشهد نتنياهو في منصبه خلال فترة المفاوضات الائتلافية، التي قد تستمر أسابيع أو تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة.

ما الذي تعنيه حكومة تصريف الأعمال في إسرائيل؟

حكومة تصريف الأعمال هي الحكومة القائمة التي تواصل إدارة شؤون الدولة إلى حين تشكيل حكومة جديدة، بما يمنع حدوث فراغ في السلطة التنفيذية. وفي إسرائيل، لا يعني هذا الوضع انتهاء الصلاحيات القانونية للحكومة أو تحولها إلى هيئة تقتصر مهامها على تسيير الأعمال اليومية.

وبحسب باحثين في الشأن القانوني والسياسي الإسرائيلي، تحتفظ الحكومة المؤقتة، من حيث الأصل، بالصلاحيات القانونية نفسها التي تتمتع بها الحكومة العادية، لكن عملها يخضع لواجب ضبط النفس، خصوصًا في القرارات غير الاعتيادية التي قد تقيّد الحكومة المقبلة أو تضعها أمام أمر واقع.

وقال الباحث في معهد الديمقراطية الإسرائيلي جاي لوري إن القانون يمنح حكومة تصريف الأعمال السلطات والصلاحيات نفسها الممنوحة للحكومة العادية، لكنه يفرض عليها التزامًا بضبط النفس، ويضيّق نطاق سلطتها التقديرية في بعض المجالات.

وتشمل القيود بعض التعيينات والقرارات بعيدة المدى، ما لم تفرضها ضرورة ملحة أو مصلحة عامة واضحة. وتستند هذه القيود إلى أحكام قضائية وتوجيهات قانونية تهدف إلى منع الحكومة المنتهية ولايتها من اتخاذ قرارات مصيرية من دون مبرر كافٍ.

لماذا لا تمنع القيود حكومة نتنياهو من شن حرب؟

تُعد القرارات الأمنية والعسكرية من أبرز المجالات التي قد تبرر تجاوز القيود المعتادة المفروضة على حكومة تصريف الأعمال، خصوصًا عندما ترى السلطات أن هناك ضرورة أمنية عاجلة.

وقال الباحث أور آشر، من معهد تخليت في تل أبيب، إن القضايا الأمنية تمثل الاستثناء الأوضح لواجب ضبط النفس، مشيرًا إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية درجت على تجنب التدخل في قرارات الدخول في الحرب، وأن الرقابة البرلمانية تكون أضعف خلال الفترة التي تلي انتخاب الكنيست الجديد وقبل تشكيل لجانه.

وبناءً على ذلك، لا يمنع وضع حكومة تصريف الأعمال من الناحية القانونية اتخاذ قرار بشن حرب على إيران. لكن هذه الصلاحية لا تعني أن نتنياهو يستطيع اتخاذ القرار منفردًا؛ إذ ينص القانون الأساسي للحكومة في إسرائيل على أن قرار الدخول في حرب أو اتخاذ عملية عسكرية كبيرة يُرجح أن تقود إلى حرب يجب أن يصدر عن الحكومة أو الجهة المخولة بذلك ضمن الترتيبات القانونية، مثل المجلس الوزاري الأمني إذا كانت الصلاحيات مفوضة إليه.

ولا تعني هذه القواعد أن قرار الحرب سيكون سهلًا أو خاليًا من التداعيات السياسية والقانونية، بل إن القيود المتعلقة بضرورة القرار وتبريره والرقابة عليه تظل قائمة، مع اختلاف نطاق تطبيقها بحسب الظروف ومدى إلحاح التهديد الأمني.

تحذيرات المعارضة من استغلال الملف الأمني

في ظل حالة الانسداد السياسي، أقر آيزنكوت بأن نتنياهو لا يزال رئيسًا للحكومة، لكنه حذر من استخدام القضايا الأمنية لتحقيق مكاسب سياسية.

وكان مكتب نتنياهو قد رفض في السابق اتهامات باستغلال الصراع مع إيران لأهداف سياسية، ولم يرد على طلب للتعليق بشأن هذه الاتهامات، وفق تقرير رويترز.

ويعكس هذا الجدل حساسية المرحلة التي تمر بها إسرائيل؛ فنتائج الانتخابات لم تمنح أيًا من المعسكرين تفويضًا برلمانيًا واضحًا لتشكيل الحكومة، فيما تستمر الحكومة القائمة في ممارسة صلاحياتها خلال المفاوضات.

وتكمن نقطة الخلاف في أن أي تصعيد عسكري واسع خلال هذه المرحلة قد يؤثر في المشهد السياسي، سواء من خلال إعادة ترتيب الأولويات الانتخابية أو تغيير حسابات الأحزاب بشأن تشكيل ائتلاف جديد. لكن احتمال حدوث ذلك يظل مسألة سياسية، ولا يثبت بحد ذاته أن أي قرار عسكري يستهدف تحقيق مكاسب حزبية.

مهلة تشكيل الحكومة.. 42 يومًا لحسم هوية المكلف

بعد إعلان النتائج النهائية، يُجري الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ مشاورات مع قادة الأحزاب، ثم يكلّف الشخصية التي يرى أنها تمتلك أفضل فرصة لتشكيل ائتلاف حكومي. ولا يشترط أن يكون المكلف زعيم الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، بل أن تكون لديه فرصة واقعية لجمع دعم برلماني كافٍ.

ويُمنح المرشح المكلف 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا، ليصل مجموعها إلى 42 يومًا. وإذا أخفق في مهمته، يمكن أن تبدأ مرحلة أخرى من المحاولات وفق الإجراءات القانونية، قبل أن ينتهي الانسداد السياسي، في حال تعذر تشكيل حكومة، إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة.

وخلال هذه الفترة، سيواصل نتنياهو رئاسة حكومة تصريف الأعمال، ما يعني استمرار امتلاكها صلاحيات تنفيذية وأمنية، بالتوازي مع القيود التي يفترض أن تضبط قراراتها غير الاعتيادية.

وبذلك، لا تكمن أهمية وضع تصريف الأعمال في حرمان نتنياهو من أدوات الحكم، بل في القيود السياسية والقانونية التي تحيط باستخدامها. فالحكومة تستطيع من حيث المبدأ اتخاذ قرارات أمنية كبرى، بما فيها قرار الحرب، بينما يبقى الجدل قائمًا بشأن مدى ضرورة أي تحرك عسكري، وتوقيته، وتأثيره المحتمل في معركة تشكيل الحكومة المقبلة.