مع اقتراب شتاء قاسٍ آخر، يتصاعد النشاط الدبلوماسي في محاولة جديدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وصولاً إلى اتفاق سلام نهائي بأوكرانيا.
وتحت ضغط متجدد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تستعد كييف وموسكو، لعقد اجتماع ثلاثي مع مسؤولين أمريكيين لبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق، ومن المقرر مبدئياً عقد الاجتماع في 10 نوفمبر/تشرين الثاني.
لكن تظل هناك تساؤلات كثيرة حول هذه العملية، بما في ذلك ما إذا كان لأوروبا مقعد على طاولة المفاوضات عند اتخاذ القرارات الحاسمة، ومَن يجب أن يشغله.
كما تظهر مشكلة قد تعيق التفاوض، وهي تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قبل جلسة المباحثات، وما يمكن أن يرتبط بها من تراجع الاهتمام بالملف الأوكراني، وانحصار الضوء عن الحرب المستمرة منذ 2022.
ماذا سيناقشون؟
يقول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن جدول أعمال المحادثات يجب أن يتضمن أولاً خطوات أولية نحو خفض التصعيد، مثل تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار الذي يستهدف البنية التحتية للطاقة وفي البحر الأسود.
وأوضح للصحفيين هذا الأسبوع أنه ينبغي أن يجري الوفدان التقنيان المفاوضان نقاشاً حول شكل الاجتماع الثلاثي المستقبلي بين القادة، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وزيلينسكي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وعندما يتعلق الأمر باتفاق نهائي، فإن السؤال الأبرز بالنسبة لأوكرانيا هو شكل الضمانات الأمنية التي ستحصل عليها من أوروبا والولايات المتحدة، أو ربما من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ووفق مجلة بوليتيكو الأمريكية، لن يرغب زيلينسكي في قبول أي شيء يعتقد أنه قد يجعل أوكرانيا عُرضة لهجوم مستقبلي من جانب روسيا.
من المرجح أيضاً أن يطرح بوتين الحاجة إلى ضمانات أمنية لروسيا، بما في ذلك تقليص وجود الناتو في الجوار الإقليمي أو إعادته إلى ما كان عليه سابقاً.
ثم تأتي مسألة الأراضي؛ حيث يرى زيلينسكي أن ترسيم أي حدود، سواء كان مؤقتاً أو دائماً، أمر لا يمكن مناقشته إلا على مستوى القادة، وقال يوم الثلاثاء: «لا يملك أي شخص آخر صلاحية القيام بذلك».
وأوضح زيلينسكي أنه خلال جولات المفاوضات السابقة على مدار العام الماضي، و«كحل وسط»، أبدت أوكرانيا استعدادها لمناقشة فكرة إقامة «منطقة عازلة» منزوعة السلاح على جانبي خط التماس في إقليم دونباس.
كما طُرحت أفكار مماثلة لأجزاء أخرى من أوكرانيا. وقال زيلينسكي إن مفاوضيه ناقشوا هذه المسائل مجدداً مع الجانب الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، مضيفاً: «نحن مستعدون لمناقشة مسألة الأراضي لأن الروس يصرون دائماً على مناقشتها وإدراجها في جدول الأعمال»، غير أن ذلك سيتطلب اجتماعاً على مستوى القادة.
أوروبا لها دور
يصر القادة الأوروبيون على ضرورة مشاركتهم في المفاوضات النهائية، لأسباب ليس أقلها أنهم هم من يقدمون الآن الجزء الأكبر من الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا بعد أن أوقف ترامب المساعدات الأمريكية في عام 2025.
ويقر زيلينسكي ومسؤولون أمريكيون بأنه من المرجح أن تشارك الحكومات الأوروبية في مناقشات الضمانات الأمنية، ويرجع ذلك بالأساس إلى أن أي قوات لحفظ السلام تُنشر في أوكرانيا ستتألف في غالبيتها من قوات أوروبية.
وكان «تحالف الراغبين»، وهو تحالف فضفاض يضم أكثر من 30 دولة تقودها فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، قد صاغ مقترحات مفصلة بالتنسيق مع الولايات المتحدة قبل عام تقريباً.
كما تبدي أوكرانيا اهتماماً ببحث ضمانات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة، وهو مسار لن يتطلب بالضرورة إشراك مسؤولين أوروبيين.
وقال زيلينسكي إن خطط إعادة إعمار أوكرانيا وإنعاش اقتصادها يجب أن تشارك فيها أوروبا أيضاً، مؤكداً: «لا يمكننا تصور ما يمكن تسميته بـ’خطة مارشال’ بدون أوروبا».
لكن أوروبا لا تعرف من يجب أن يتحدث باسمها
وفي ظل غياب رؤية واضحة من بروكسل، أخذ بعض القادة زمام المبادرة بأنفسهم؛ إذ أجرى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، الثلاثاء الماضي، اتصالاً هاتفياً استمر 90 دقيقة مع بوتين، حثاه فيه على إنهاء الحرب.
غير أن هذا التصرف أثار استياء عدد من الحكومات الأوروبية، بما فيها الدنمارك وإيطاليا والسويد وليتوانيا. وقال دبلوماسي لـ”بوليتيكو”: «هناك الكثير من الرجال في منتصف العمر يرغبون في دخول كتب التاريخ بوصفهم من أنهى هذه الحرب».
من جانبها، أعلنت روسيا، أن الاتصال مع ستوب وستوره لم يسفر عن أي نتائج ملموسة، وأن الحرب من المرجح أن «تتصاعد».
وتكمن إحدى العقبات في تحديد كبير المفاوضين، في أن الدول الأوروبية المعنية بهذه المحادثات لا تنتمي جميعها للاتحاد الأوروبي؛ فالمملكة المتحدة والنرويج، على سبيل المثال، خارج التكتل.
وبدون قيادة واضحة، تخاطر المصالح الأوروبية بالتهميش حين تصبح المحادثات جادة.
الأمر بيد ترامب
يظل أحد العوامل المجهولة الحاسمة في المشهد هو: إلى أي مدى سيظل اهتمام ترامب منصباً على أوكرانيا؟
فبعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران في الربيع، توقف التقدم في الملف الأوكراني لعدة أشهر، قبل أن يعود هذا الخريف مع سعي ترامب للتخفيف من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط.
غير أن أي تصعيد جديد في الحرب الإيرانية يهدد بتهميش المفاوضات مجدداً، وهو ما يقلق كييف من عودة الحرب في إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
وكان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف قد أجرى محادثات مع زيلينسكي وستوب وستوره في أوسلو يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، ثم توجه بعدها إلى سان بطرسبرغ للقاء بوتين في اليوم التالي.
وكان من المقرر عقد اجتماع متابعة في بروكسل هذا الأسبوع تحضيراً للمفاوضات الثلاثية، إلا أن الجانب الأمريكي أرجأ المحادثات، على ما يبدو بسبب التطورات في الشرق الأوسط.
وقال زيلينسكي يوم الثلاثاء: «الاجتماع يعتمد الآن على الجانب الأمريكي». وأضاف في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء: «نأمل بشدة ألا تؤثر مسارات التصعيد في الشرق الأوسط، التي تحظى بالكثير من النقاش حالياً، على هذا المسار».
بوتين يستطيع الانتظار
بعد اتصالهما مع الكرملين، أبلغ ستوب وستوره، زيلينسكي، بأنهما شعرا بجدية بوتين تجاه فرصة المحادثات المرتقبة. لكن في العلن وفي الغرف المغلقة، يشكك الدبلوماسيون والقادة السياسيون في أوروبا بشدة في جدية بوتين بشأن أي مسار وشيك للسلام، وفق بوليتيكو.
ورغم إصرار الكرملين على استعداده للمفاوضات، يعتقد دبلوماسيون أوروبيون أن الرئيس الروسي يماطل فقط لكسب الوقت، على أمل أن تضعف أوكرانيا بعد شتاء من الهجمات المستمرة على منظومة طاقتها، وأن تسأم أوروبا، ربما في ظل وصول متوقع لمرشحة أقصى اليمين، مارين لوبان إلى السلطة في فرنسا، من تحمل تكلفة الحرب وتتراجع العام المقبل.
ولهذا السبب، يدرك مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنهم لا يستطيعون تعليق آمالهم على السلام، وأنهم بحاجة لمضاعفة دعمهم المالي والمساعدات العسكرية لأوكرانيا مع تشديد العقوبات على روسيا.
ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي مسألة تأمين تمويل المجهود الحربي لأوكرانيا في قمتهم المقررة في بروكسل يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني.


