تم تحديثه الخميس 2026/10/29 04:47 م بتوقيت أبوظبي
جاء حكم محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية في قضية العتاد العسكري للسودان ليكشف عن فساد قيادات الجيش السوداني وتربحهم من استمرار الحرب رغم تفاقم معاناة المدنيين.
وتكشف القضية عن شبكات تسليح وتحويلات مالية تنتفع من الحرب عبر مستندات شحن مضللة لإخفاء طبيعة الشحنات بينما يواجه ملايين المواطنين النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
والخميس، قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، بالمؤبد على عدد من قيادات الجيش السوداني ومسؤولين حالين وسابقين في البلد الأفريقي بقضية الاتجار بالأسلحة وغسل الأموال.
كارتيلات الحرب
ويرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي السوداني، كمبال عبدالواحد، أن «كارتيلات الحرب» يمثلون امتداداً لشبكات الدولة العميقة المرتبطة بتنظيم الإخوان في السودان، معتبراً أن استمرار القتال يخدم مصالحهم السياسية والاقتصادية، من خلال المكاسب من وراء صفقات التسليح.
وأضاف، في حديث لـ”العين الإخبارية”، أن “القضية عن تكشف عن صورة مقلقة لإدارة ملف التسليح المرتبط بالحرب السودانية والصفقات والشبكات التي تستغل ظروف الصراع لتحقيق مكاسب مالية، بينما يتحمل السودانيون تبعات الحرب من نزوح وجوع وانهيار للخدمات”.
وأوضح أن الأخطر أن استمرار هذه التجاوزات، إن لم تُواجه بمحاسبة حقيقية، يهدد بتحويل الحرب من معركة معلنة لاستعادة الدولة إلى بيئة تستفيد منها شبكات المصالح، على حساب حياة المواطنين ومستقبل السودان.
ولفت إلى أن استمرار المواجهات، بالتزامن مع تعثر المبادرات الرامية إلى وقف الحرب، يفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في السودان، حيث تتراجع الخدمات الأساسية وتتزايد معاناة المدنيين، فيما يتآكل الشعور بالأمان مع اتساع رقعة العمليات العسكرية.
مكاسب إطالة أمد الحرب
واتهم عبدالواحد قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وقيادات عسكرية في بورتسودان، إلى جانب حاضنتهم السياسية، بالتشدد في مواقفهم إزاء المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، معتبراً أن التمسك بالسلطة يمثل أحد دوافع هذا الموقف، في ظل مساعٍ لتكريس شرعية سياسية تتيح الإفلات من المحاسبة.
بدوره، يقول الناطق باسم القوى المدنية المتحدة «قمم» في السودان، عثمان عبدالرحمن سليمان، في حديث لـ”العين الإخبارية”، إن هذه القضية تثير تساؤلات خطيرة بشأن طبيعة منظومة التسليح لدى الجيش، ومدى خضوعها لمؤسسات الرقابة والمساءلة، إذ إن أي تورط يثبت قضائياً لمسؤولين معنيين بالتسليح والشؤون المالية في شبكات الاتجار غير المشروع بالأسلحة وغسل الأموال يعزز المخاوف من إدارة هذا الملف عبر تحركات ومصالح شخصية، بدلاً من إدارته وفق منظومة مؤسسية منظمة تحكمها القواعد والضوابط الرسمية.
وتعتبر «قِمم» أن هذه المعطيات مؤشر على أن الجيش لم يعد جيشا وطنيا منظما وإنما جيش مخترق من قبل تنظيم الإخوان وهو ما ظهر مؤخرا في خطواته غير المشروعة في استيراد وتهريب السلاح.
وأكد أن “هذه الأموال هي أموال الشعب السوداني المنهوبة على مدار عقود وباتت تستخدم في جلب السلاح والتربح من صفقاته، ونحن نرحب بهذه المحاكمات ونشيد بيقظة السلطات الإماراتية”.
وأكد أن استمرار الحرب يرتبط بمصالح سياسية وعسكرية تسعى قيادات في الجيش والإخوان إلى الحفاظ عليها، محذرا من أن كلفة هذه الحسابات يتحملها المدنيون، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية واستنزاف موارد البلاد.
وقال سليمان إن تنظيم الإخوان اعتمد، على مدى نحو 30 عاماً، على الجيش في إبرام صفقات تسليح مع أطراف ومحاور دولية، مشيراً إلى أن الأسلحة التي جرى توفيرها استُخدمت في حروب شهدتها دارفور وجنوب كردفان وجنوب السودان، لافتا إلى أن قيادات الجيش تسعي إلى استيراد مكونات لتصنيع أسلحة كيميائية، معتبراً أن الإنفاق على التسليح جاء على حساب قطاعات حيوية، بينها الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وأكد أن قائد الجيش ينظر إلى تعزيز القدرات العسكرية باعتبارها وسيلة لإطالة بقائه في السلطة، على حساب احتياجات السودانيين وأولويات التنمية والاستقرار.
ضرورة المحاسبة
وحمل سليمان، قانونياً وسياسياً وأخلاقياً، قيادة الجيش السوداني برئاسة عبدالفتاح البرهان مسؤولية المجازر التي قال إنها وقعت مؤخراً في دارفور وشمال كردفان ومناطق أخرى، فضلاً عن انتهاكات بحق المدنيين، شملت تصفيات داخل السجون في بورتسودان.
وشدد على أن أي مسار للسلام أو تسوية سياسية ينبغي أن يسبقه اتخاذ إجراءات تضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكداً أن تجاوز مبدأ عدم الإفلات من العقاب لن يكون مقبولاً لدى الشعب السوداني.
وأوضح سليمان أن البرهان وعددا من الضباط في الجيش يسعون إلى إعادة تمكين التنظيم السياسي للإخوان، معتبراً أن هذه المساعي تستند إلى حسابات ضيقة لن تنجح في تحقيق أهدافها.
وأضاف أن استمرار الحرب يوفر ظروفاً تساعد على بقاء نفوذ الإخوان داخل المؤسسة العسكرية، موضحاً أن مصالح قيادات مرتبطة بالتنظيم تتقاطع مع استمرار الصراع، وأن وقف الحرب من شأنه أن يتيح ظروفاً أفضل لكشف المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم.
وأشار إلى أن أجواء الحرب والتصعيد تعرقلان جهود التحقيق والمساءلة، واتهم الجيش والإخوان بالاستفادة من استمرار هذه الظروف لتأخير المحاسبة.
حظر التسليح الكامل.
وعن فرص محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، قال سليمان إنها ترتبط بمدى فاعلية التحركات الدولية، معتبراً أن العقوبات المفروضة على أفراد لم تحقق، حتى الآن، النتائج المرجوة في وقف الانتهاكات أو تغيير سلوك الأطراف المعنية.
ودعا إلى تحرك دولي وإقليمي لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلاً من اقتصارها على إقليم دارفور.
كما طالب باتخاذ تدابير دولية لوقف استخدام الطيران الحربي والطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية بجميع أنحاء السودان، معتبراً أن تقييد هذه القدرات، بالتوازي مع تجفيف منابع التسليح، من شأنه أن يسهم في خفض التصعيد وتهيئة الظروف لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وختم سليمان بالتأكيد على أن وقف الحرب والحد من تدفقات السلاح يمثلان، مدخلاً أساسياً لتقليص نفوذ الإخوان وفتح الطريق أمام المساءلة وتحقيق تسوية سياسية تضع مصالح السودانيين في مقدمة الأولويات.
تفاصيل الحكم
ووفق وكالة الأنباء الإماراتية “أسدلت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية الستار على قضية شبكة الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر وغسل الأموال، وقضت بإدانة عدد من المتهمين في قضية كشفت عن شبكة تداخلت فيها صفقات السلاح مع الشركات التجارية والتحويلات المصرفية والمبالغ النقدية، لتوريد أسلحة وذخائر وعتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وإخفاء حقيقة الأموال ومصادرها ووجهاتها”.
وقضت المحكمة بـ”معاقبة كل من راشد عمر عبد القادر علي، وصلاح عبد الله محمد محمد صالح، الشهير بصلاح قوش، وأحمد عبد الله، الشهير بعبد الله خلف الله، وأحمد ربيع سيد أحمد، ومحمد فتح البيك، وياسر عبد الرحمن العطا، وعثمان الزبير، وماهر عبد الجليل، بالسجن المؤبد عما نُسب إليهم من اتهامات، مع مصادرة الذخائر المضبوطة والهواتف وأجهزة الاتصال المستخدمة في الجريمة، وإبعاد المحكوم عليهم عن الدولة عقب تنفيذ العقوبة”.
كما قضت المحكمة بمعاقبة كل من راشد عمر عبد القادر علي، وصلاح عبد الله محمد محمد صالح، الشهير بصلاح قوش، وأحمد عبد الله، الشهير بعبد الله خلف الله، وماهر عبد الجليل محمد عبد الجليل، وعثمان بابكر، وخالد يوسف مختار، وأحمد خلف الله عبد الله، بالحبس مدة ثلاث سنوات لكل منهم، وتغريم المشمولين بحكم الغرامة مبلغ مليون درهم لكل منهم عن جريمة غسل الأموال، ومصادرة مبلغ مليون و(545) ألف درهم من المبالغ المضبوطة، وإبعادهم عن الدولة عقب تنفيذ العقوبات المقضي بها.
وعاقبت المحكمة شركات (راشد عمر للوساطة)، و(بورتكس تريد ليمتد)، و(أبو لارا لتجارة الإلكترونيات)، و(يلو ساند للتجارة)، و(وردة المسرة للتجارة)، و(سودامينا – منطقة حرة)، بتغريم كل منها مبلغ مليون درهم عن جريمة غسل الأموال، مع إلغاء التراخيص والتسجيلات الصادرة لها، ومصادرة الأموال المتحفظ عليها والمتحصلة من جريمة غسل الأموال.
فيما قضت ببراءة كل من مبارك علي الشيخ ومصعب عوض الكريم حسن مما نُسب إليهما.
وكشفت حيثيات الحكم أن المتهمين اتجروا في الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري دون ترخيص أو تصريح من السلطة المختصة، وأدخلوا إلى الدولة ذخائر من نوع (جيرانوف)، تمهيداً لنقلها جواً إلى بورتسودان، بعد إظهار حمولة الطائرة على خلاف حقيقتها باعتبارها أدوات ومستلزمات طبية، فيما جرى سداد أثمان العتاد العسكري داخل الدولة عبر تحويلات مصرفية، إلى جانب مبالغ نقدية دُفعت كجزء من قيمة الصفقات.
وأوضحت المحكمة الأدوار التي اضطلع بها المتهمون في تنفيذ صفقات التسليح، وفي مقدمتهم راشد عمر عبد القادر علي، الذي مثل محورا رئيسيا في إبرام وتنفيذ الصفقات والتنسيق بين أطرافها، وتولى من خلال شركته إجراءات توريد الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري للجيش السوداني، وتسلم الأموال المخصصة لسداد قيمتها داخل الدولة، ومن بينها نحو 8 ملايين درهم تسلمها نقدا من ماهر عبد الجليل كجزء من قيمة إحدى الصفقات.
وبينت المحكمة أن ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية والمسؤول عن التسليح، طلب شراء الأسلحة والعتاد العسكري، واتخذ إجراءات استخراج إذن هبوط الطائرة في مطار بورتسودان، مع علمه بأن الصفقة أُنجزت على أراضي دولة الإمارات.
وثبت أن عثمان الزبير، المسؤول المالي بالجيش السوداني والقائم على متابعة احتياجات التسليح والتدقيق على الشحنات وسداد مستحقات الموردين، تولى دفع الأموال المستحقة عن صفقات الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري، وتسليمها إلى ماهر عبد الجليل عن طريق نظام (الحوالة دار)، مع علمه بعدم وجود تصريح للمتهمين بالاتجار في الأسلحة داخل الدولة.
أما ماهر عبد الجليل، فقد كشفت حيثيات الحكم عن قيامه بدور الوسيط والذراع المالي في الصفقات وحلقة الوصل بين القائمين عليها وعثمان الزبير، وإدارته حركة الأموال عبر الحسابات المصرفية والشركات المرتبطة به، فضلاً عن تسليمه راشد عمر نحو ثمانية ملايين درهم نقداً داخل الدولة كجزء من ثمن إحدى صفقات التسليح.
وثبت للمحكمة كذلك أن خالد يوسف مختار، المدير السابق لمكتب صلاح قوش بجهاز المخابرات السوداني، تسلم العمولة المخصصة لصلاح قوش من الصفقة.
كما بيّن الحكم أن أحمد ربيع سيد أحمد توسط لتسهيل حصول راشد عمر وشركته على موافقات من قيادات الجيش السوداني لتوريد الأسلحة والعتاد العسكري، وشارك في اجتماعات مع صلاح قوش وعبدالله خلف الله وراشد عمر في منزل صلاح قوش لمتابعة تنفيذ الصفقة الأولى، كما تولى إبلاغ راشد عمر بقرار لجنة التسليح بشأن الصفقة الثانية، وخلصت المحكمة إلى أن تدخله كان بقصد تحقيق منفعة مالية.
وثبت أن محمد فتح البيك، المستشار السابق لوزير المالية السوداني، قام بربط راشد عمر بكل من عثمان الزبير وأحمد ربيع، وساعد في اعتماد شركة راشد عمر، رغم عدم عملها في مجال توريد الأسلحة، كمورد للجيش السوداني، وتسلم مبلغ (146) ألف درهم مقابل دوره في الصفقة الأولى.
كما كشفت حيثيات الحكم عن دور عبد الله خلف الله في صفقة التسليح، ومشاركته في الاجتماعات التي عُقدت مع صلاح قوش وراشد عمر وأحمد ربيع لمتابعة تنفيذ الصفقة الأولى، وارتباطه بشركة (بورتكس تريد ليمتد) التي استُخدمت في المعاملات المالية المتعلقة بالصفقة؛ كما ثبت تسلم شقيقه أحمد خلف الله مبلغ مليون و850 ألف درهم من قيمة الصفقة الأولى، مع علمه بعدم وجود تصريح أو ترخيص له أو لشقيقه أو للشركة للاتجار في العتاد العسكري داخل الدولة.
وخلصت المحكمة إلى ثبوت اشتراك المحكوم عليهم في مخطط متكامل للاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر والعتاد العسكري، استُخدمت في تنفيذه محررات مزورة وشركات وحسابات مصرفية داخل الدولة لتمرير أموال صفقات التسليح وإخفاء مصادرها ووجهاتها، إلى جانب غسل الأموال المتحصلة من تلك الأنشطة.
وأشارت المحكمة إلى أن صفقات السلاح تمت في ظل النزاع المسلح الدائر في السودان ولصالح أحد أطرافه، وأن استخدام أراضي الدولة ونظامها المالي في تلك الأنشطة من شأنه الإساءة إلى علاقات دولة الإمارات بالمجتمع الدولي وتعريض مصالحها للخطر، في ضوء القيود الدولية ذات الصلة بتوريد الأسلحة، واعتبرت الأفعال المتعلقة بصفقات التسليح والتزوير واستعمال المحررات جزءا من مشروع إجرامي واحد، مع استقلال جريمة غسل الأموال.
وكان النائب العام الإماراتي المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي قد أمر بإحالة المتهمين إلى المحاكمة، بعد أن كشفت التحقيقات والأدلة الفنية والمالية عن شبكة منظمة للاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر والعتاد العسكري، وغسل الأموال المرتبطة بصفقات التسليح عبر شركات وحسابات مصرفية داخل الدولة.


