يفتح حكم محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على قيادات عسكرية ومسؤولين سودانيين.
في قضية الاتجار بالأسلحة وغسل الأموال، بابا جديدا لملاحقة شبكات تمويل الحرب في البلد الأفريقي.
كما يطلق الحكم أملا في تجفيف الموارد المالية وصفقات التسليح ما قد يحد من قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، وفق المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان لـ”العين الإخبارية”.
وقضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، الخميس، بالمؤبد على عدد من قيادات الجيش السوداني ومسؤولين حالين وسابقين في البلد الأفريقي بقضية الاتجار بالأسلحة وغسل الأموال.
من صفقات السلاح إلى شبكات التمويل
ولا تكمن أهمية الحكم في العقوبات التي طالت المتهمين وحدها، بل في تفاصيل شبكة التسليح التي كشفت عنها حيثيات القضية، والتي تداخلت فيها صفقات الأسلحة مع شركات تجارية وتحويلات مصرفية ومبالغ نقدية، لتوريد عتاد عسكري إلى الجيش السودان، وفق عثمان.
وكشفت تفاصيل القضية عن مسارات مالية وتجارية استخدمت في تنفيذ صفقات التسليح، من بينها إدخال ذخائر من نوع “جيرانوف” إلى الإمارات تمهيدا لنقلها جوا إلى بورتسودان، مع إظهار حمولة الطائرة على خلاف حقيقتها باعتبارها أدوات ومستلزمات طبية، إلى جانب استخدام شركات وحسابات مصرفية في تمرير الأموال وإخفاء مصادرها ووجهاتها.
تجفيف منابع التمويل
وأكد عثمان أن هذه التفاصيل تبرز أهمية تتبع البنية المالية والتجارية المحيطة بصفقات السلاح، إذ إن ملاحقة الوسطاء والشركات والأموال المرتبطة بها قد تضيق المجال أمام إعادة تدوير الموارد المالية في عمليات تسليح جديدة، حتى إن لم تؤد وحدها إلى وقف تدفق السلاح إلى السودان.
وشدد على أن المحاكمة تمثل خطوة في اتجاه تجفيف منابع تمويل الحرب، وملاحقة الشبكات التي تستفيد من استمرار القتال، لافتا إلى أنها تكشف للرأي العام السوداني عن توظيف الإمكانات العسكرية والمالية في خدمة مصالح قيادات وشبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية (ذراع الإخوان في البلد الأفريقي)، بينما يتحمل الجنود والمواطنون كلفة استمرار الحرب.
ورأى عثمان أن أهمية الحكم تتجاوز الجانب القضائي إلى ما يمكن أن يترتب عليه من تضييق على حركة الأموال والأصول المرتبطة بالصفقات غير المشروعة، بما قد يحرم المتورطين من موارد يستخدمونها في تمويل أنشطة التسليح.
ودعا إلى ملاحقة دولية للشركات والوسطاء ومسارات التحويلات المالية التي تتيح إتمام الصفقات، معتبرا أن تجفيف هذه الموارد يمثل أحد المسارات الممكنة للحد من استمرار الحرب.
ضغط على شبكات التسليح
وتكتسب الأحكام المتعلقة بغسل الأموال ومصادرة الأصول أهمية خاصة في هذه القضية، إذ لم تقتصر الإجراءات القضائية على السجن، بل شملت تغريم شركات وأفراد، ومصادرة أموال ومتحصلات مرتبطة بالجرائم، وإلغاء تراخيص شركات أدينت في القضية، وفق عثمان.
وفرضت المحكمة غرامات على عدد من الشركات، مع مصادرة الأموال المتحفظ عليها والمتحصلة من غسل الأموال، كما قضت بمصادرة مبلغ مليون و545 ألف درهم من الأموال المضبوطة، إلى جانب مصادرة الذخائر وأجهزة الاتصال المستخدمة في الجريمة.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن الملاحقة القضائية تستهدف، إلى جانب معاقبة المتورطين، البنية المالية والتجارية التي ساعدت على تنفيذ الصفقات، لكن عثمان يرى أن أثرها الفعلي في تمويل الحرب سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تعقب الأصول الأخرى، وكشف بقية الوسطاء، ومنع إعادة تشكيل الشبكات عبر شركات أو قنوات مالية بديلة.
المسار الدولي
وهنا، يرى عثمان أن الحكم ينسجم مع مسار أوسع لملاحقة الجهات المتورطة في تمويل الحرب السودانية عبرت عنه العقوبات الأمريكية والأوروبية على “جنرالات الحرب”، داعيا إلى توسيع التنسيق الإقليمي والدولي لمراقبة تدفقات السلاح والأموال إلى أطراف النزاع.
ويعتبر أن تتبع شبكات التسليح وغسل الأموال يمكن أن يحد من قدرة الجهات المستفيدة على توفير العتاد العسكري، خصوصا إذا اقترن بملاحقة مصادر التمويل والوسطاء وقنوات نقل الأسلحة.
كما يطرح هذا المسار أهمية التعاون بين الجهات القضائية والأمنية والمالية، بما يسمح بتبادل المعلومات وتعقب التحويلات العابرة للحدود، وملاحقة الأصول المرتبطة بالأنشطة غير المشروعة، حسب عثمان.
تجفيف التمويل ووقف الحرب
ويعتقد عثمان أن ملاحقة شبكات التسليح وغسل الأموال تصب في مصلحة الشعب السوداني، لأنها قد تقلص الموارد المتاحة لاستمرار العمليات العسكرية، وتحد من قدرة المستفيدين من الحرب على إعادة تمويلها.
وبهذا المعنى، يمثل الحكم أداة ضغط قانونية ومالية يمكن أن تسهم في تقليص موارد الحرب.
ودعا إلى انضمام دول أخرى إلى مسار ملاحقة المتورطين في تصدير السلاح للسودان وشبكاتهم المالية، من أجل وقف تلك الحرب المدمرة، بما يصب في مصلحة الشعب السوداني وإيقاف قتله.
وقال: “الشعب السوداني مدين بالشكر لدولة الإمارات على هذا الحكم الذي يصب في مصلحة الأمن والسلم الإقليميين”.
تفاصيل الحكم
ووفق وكالة الأنباء الإماراتية، أسدلت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية الستار على قضية شبكة الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر وغسل الأموال، وقضت بإدانة عدد من المتهمين في قضية كشفت عن شبكة تداخلت فيها صفقات السلاح مع الشركات التجارية والتحويلات المصرفية والمبالغ النقدية، لتوريد أسلحة وذخائر وعتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وإخفاء حقيقة الأموال ومصادرها ووجهاتها.
وقضت المحكمة بـ”معاقبة كل من راشد عمر عبد القادر علي، وصلاح عبد الله محمد محمد صالح، الشهير بصلاح قوش، وأحمد عبد الله، الشهير بعبد الله خلف الله، وأحمد ربيع سيد أحمد، ومحمد فتح البيك، وياسر عبد الرحمن العطا، وعثمان الزبير، وماهر عبد الجليل، بالسجن المؤبد عما نُسب إليهم من اتهامات، مع مصادرة الذخائر المضبوطة والهواتف وأجهزة الاتصال المستخدمة في الجريمة، وإبعاد المحكوم عليهم عن الدولة عقب تنفيذ العقوبة”.
كما قضت المحكمة بمعاقبة كل من راشد عمر عبد القادر علي، وصلاح عبد الله محمد محمد صالح، الشهير بصلاح قوش، وأحمد عبد الله، الشهير بعبد الله خلف الله، وماهر عبد الجليل محمد عبد الجليل، وعثمان بابكر، وخالد يوسف مختار، وأحمد خلف الله عبد الله، بالحبس مدة ثلاث سنوات لكل منهم، وتغريم المشمولين بحكم الغرامة مبلغ مليون درهم لكل منهم عن جريمة غسل الأموال، ومصادرة مبلغ مليون و(545) ألف درهم من المبالغ المضبوطة، وإبعادهم عن الدولة عقب تنفيذ العقوبات المقضي بها.
وعاقبت المحكمة شركات (راشد عمر للوساطة)، و(بورتكس تريد ليمتد)، و(أبو لارا لتجارة الإلكترونيات)، و(يلو ساند للتجارة)، و(وردة المسرة للتجارة)، و(سودامينا – منطقة حرة)، بتغريم كل منها مبلغ مليون درهم عن جريمة غسل الأموال، مع إلغاء التراخيص والتسجيلات الصادرة لها، ومصادرة الأموال المتحفظ عليها والمتحصلة من جريمة غسل الأموال.
فيما قضت ببراءة كل من مبارك علي الشيخ ومصعب عوض الكريم حسن مما نُسب إليهما.
وكشفت حيثيات الحكم أن المتهمين اتجروا في الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري دون ترخيص أو تصريح من السلطة المختصة، وأدخلوا إلى الدولة ذخائر من نوع (جيرانوف)، تمهيداً لنقلها جواً إلى بورتسودان، بعد إظهار حمولة الطائرة على خلاف حقيقتها باعتبارها أدوات ومستلزمات طبية، فيما جرى سداد أثمان العتاد العسكري داخل الدولة عبر تحويلات مصرفية، إلى جانب مبالغ نقدية دُفعت كجزء من قيمة الصفقات.


