تنشر فرنسا، السبت المقبل الذي يصادف الاحتفال بيوم الهالوين، 70 ألف عنصر أمني في البلاد بعد رصد دعوات وصفت بـ”المتطرفة للغاية”.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن يوم السبت المقبل ينطوي فيما يبدو على “مخاطر بالغة” على النظام العام.
وأضاف نونيز للصحفيين أن عدة جماعات متطرفة دعت عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى تنظيم تجمعات عنيفة في ذلك اليوم، وأن رد قوات الأمن سيكون “حازماً للغاية”.
هل للأمر علاقة بحركة الاحتجاجات الطلابية؟
في سبتمبر/أيلول الماضي، مع بدء العام الدراسي في فرنسا، بدأت مظاهرات طلابية في ثانويات عدد من الأقاليم احتجاجاً على الجداول الدراسية المجهدة، ونقص المدرسين والمعلمين البدلاء، واكتظاظ الصفوف.
ومع استمرار المظاهرات واتساع نطاقها وعنف المواجهات مع الشرطة، اكتسبت الحركة الاحتجاجية زخماً وجذبت أطيافاً جديدة، لتتحول إلى احتجاج اجتماعي شامل مدفوع بظروف اقتصادية وسياسية مأزومة.
وتحولت المطالب الطلابية إلى جزء من مشهد أكبر يندد بغلاء المعيشة، والارتفاع الحاد في أسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية.

امتدت المظاهرات إلى عشرات المدن، من باريس إلى مارسيليا، ومن ليون إلى رين، وانضم إلى الطلاب أولياء الأمور ونقابات العمال وأحزاب من اليسار.
وشهدت بعض المسيرات اشتباكات مع الشرطة، وإضرام النيران في حافلات وحاويات قمامة ومبانٍ حكومية، كما قُحمَت محال وسُرقت محتوياتها.
أسفرت المواجهات بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول عن توقيف واعتقال أكثر من 2000 شخص.
وبالنظر إلى مسار المظاهرات وتطورها، تبدو المخاوف الأمنية من ليلة الهالوين مرتبطة بتلك الاحتجاجات الطلابية، لكن الأمر معقد قليلًا؛ إذ للهالوين قصة أخرى في فرنسا.. فما هي؟
لماذا تخشى فرنسا الهالوين؟
إذا كنت من محبي سلسلة أفلام “التطهير” (The Purge) الأمريكية، ربما تعرف جانباً من القصة.
ففي الجزء الأول من فيلم التطهير تدور الأحداث على النحو التالي: تحكم الولايات المتحدة حكومة شمولية من أجل السيطرة على الجريمة والعنف اللذين استشريا في البلاد، وتُقر قانوناً سُمي بـ”طقس التطهير”.
في الفيلم، يحدد قانون طقس التطهير ليلة 31 مارس/آذار وأول أبريل/نيسان (من السابعة مساءً وحتى السابعة صباحاً) كساعات يُسمح فيها بارتكاب أي جريمة دون أي تبعات. وبحسب السلطة الشمولية، فإن هذه الفترة تعد مهمة لتفريغ الغضب والعنف المكبوتين.
بعد 5 سنوات من عرض الفيلم، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2018 في فرنسا، أطلق شاب انتهى لتوه من مشاهدته دعوةً إلى ليلة للتطهير وحدد موعدها في 31 من الشهر نفسه.
انتشرت الدعوة على نحو فيروسي على شبكات التواصل الاجتماعي، وعندما رأى الشاب الحجم الضخم للتداول والخطورة الشديدة، نشر اعتذاراً توضيحياً وقال إن المنشور كان مجرد “مزحة ثقيلة”؛ لكن بحلول الموعد المحدد، انطلقت شرارة العنف في البلاد.
وفي تلك الليلة، شهدت ضواحي باريس ومدينة ليون وعدد من المدن الأخرى خروج مجموعات ملثمة أضرمت النيران في الحاويات والسيارات، ورشقت عناصر الشرطة بالألعاب النارية والحجارة.

وفي هذه الأثناء، كانت فرنسا تواجه غضباً ناتجاً عن فرض ضرائب على الوقود، وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني اندلعت الاحتجاجات التي ستُعرف منذ ذلك الحين بـ”السترات الصفراء”، وهي إشارة إلى السترة الفسفورية التي يلزم القانون الفرنسي أصحاب السيارات باقتنائها لاستخدامها في حالات الطوارئ على الطرق.
في خريف العام التالي انحسرت حركة السترات الصفراء، لكن في ليلة 31 أكتوبر/تشرين الأول اندلعت مواجهات في الضواحي لم تكن على صلة بالحركة، بل كانت إحياءً لليلة التطهير.
وشكّل عام 2020 نقطة تحول استثنائية بسبب جائحة كوفيد-19؛ إذ فرضت الحكومة الفرنسية حظر تجوال وإغلاقاً عاماً شمل ليلة 31 أكتوبر/تشرين الأول. وتسبب ذلك في غياب شبه تام للمظاهرات وتجمعات الشارع والتجمهر، واقتصرت الخروقات على حوادث فردية ومحدودة جداً لخرق حظر التجوال.
ما الجديد إذن؟
يبدو أن السلطات الفرنسية تخشى من أن يتحول طقس التطهير هذا العام إلى موجة غضب عارم، حيث ترتبط ليلة الهالوين للمرة الأولى بالتحرك الاحتجاجي المنظم.
وحذر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز من دعوات صادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة السترات الصفراء، تحث الناس على المشاركة في تجمعات في الشوارع العامة اعتبارات من الساعة 8:00 مساءً بالتوقيت المحلي (في 31 أكتوبر/تشرين الأول) في عدد من المدن بأنحاء فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها متطرفة للغاية.

وقالت وزارة الداخلية إن 410 آلاف شخص شاركوا في مسيرات يوم السبت الماضي، عندما نشرت السلطات 70 ألف شرطي، مما ساعد على تجنب تكرار أعمال النهب والتخريب التي اجتاحت العديد من المدن في 17 أكتوبر/تشرين الأول.
ودعا قادة نقابيون وطلاب إلى مزيد من الاحتجاجات في 31 أكتوبر/تشرين الأول وإضراب على مستوى البلاد في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، قائلين إن الاستياء إزاء الأجور وتكاليف المعيشة والخدمات العامة ينتشر إلى ما هو أبعد بكثير من الحركة الطلابية التي بدأت التحرك الشهر الماضي.


