غارة دامية للجيش السوداني على سوق مدني في مدينة نيالا بدارفور، دفعت خسائرها البشرية الفادحة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التعبير عن «صدمته البالغة».

الغارة التي أسفرت عن مقتل 102 شخص وإصابة 113 آخرين نفذها الجيش السوداني بطائرة مسيّرة، أكد غوتيريش أنها تشكل «انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني».

ماذا قال غوتيريش بشأن الغارة؟

وعبّر غوتيريش عن موقفه من خلال بيان أصدره المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك، أكد فيه إدانة الأمم المتحدة لتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، وما يترتب عليه من خسائر بشرية في صفوف المدنيين.

وقال دوجاريك في البيان: «يدين الأمين العام بشدة تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان من قبل أطراف النزاع، وما تخلفه هذه الهجمات من حصيلة بشرية ثقيلة في صفوف المدنيين».

ومع إشارته إلى أن هذا يشكل «انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني»، دعا غوتيريش إلى «تجنّب السكان المدنيين والبنى التحتية الحيوية، والاتفاق من دون تأخير على وقف الأعمال العدائية، كخطوة أولى نحو إنهاء هذا النزاع المدمّر».

كما «جدد دعوته العاجلة للأطراف للانخراط بحسن نية في جهود الوساطة».

وأدان الأمين العام بشكل واضح لتصاعد الهجمات التي تطال المدنيين، مع وضع حماية السكان والبنية التحتية في صدارة المطالب الدولية، والدعوة إلى وقف الأعمال العدائية باعتباره المدخل الأول لإنهاء الحرب، بدلًا من استمرار العمليات العسكرية التي توسع نطاق الدمار والخسائر البشرية.

ورغم أن بيان غوتيريش شمل أطراف النزاع، فإن الغارة على سوق نيالا تحديدًا نُسبت إلى الجيش السوداني، وهو ما أكدته منظمة أطباء بلا حدود في بيانها بشأن الضربة، فيما أوردت منظمة «محامو الطوارئ» حصيلة بلغت 102 قتيل و113 مصابًا.

لماذا أثارت غارة سوق نيالا إدانة الأمم المتحدة؟

تُعد الأسواق من أكثر المواقع حساسية خلال النزاعات المسلحة، نظرًا إلى وجود أعداد كبيرة من المدنيين فيها، بمن فيهم التجار والعمال والنساء والأطفال والمتسوقون.

ويؤدي استهداف هذه المواقع إلى سقوط ضحايا بأعداد كبيرة، فضلًا عن تدمير مصادر رزق السكان وتعطيل حصولهم على الغذاء والاحتياجات الأساسية.

وبحسب منظمة «محامو الطوارئ»، استهدفت الغارة سوق تانقون في حي الدمايا غربي نيالا، مساء الإثنين الماضي، وأسفرت عن مقتل 102 شخص وإصابة 113 آخرين، بينهم نساء وأطفال.

وأشارت المنظمة إلى أن السوق كان مكتظًا بالمدنيين وقت الهجوم.

قصف الأسواق.. حوادث متكررة في مناطق النزاع

ولا تأتي غارة نيالا بمعزل عن سلسلة من الهجمات الجوية التي طالت الأسواق ومناطق تجمع المدنيين في السودان خلال أكتوبر/تشرين الأول.

ففي 16 أكتوبر/تشرين الأول، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني سوق المواشي في نيالا، ما أسفر عن مقتل 30 شخصًا وإصابة 47 آخرين، وفق مصدر طبي تحدث إلى وكالة الصحافة الفرنسية.

كما شهدت منطقة الدبيبات بولاية غرب كردفان ضربة بطائرة مسيّرة قرب سوق ومركز لتجمع المسافرين، أسفرت، وفق تقارير نقلت عن سكان وعاملين طبيين، عن مقتل نحو 80 شخصًا في موقع الهجوم، مع تسجيل وفيات إضافية بين المصابين بعد نقلهم إلى منطقة المجلد.

وفي منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، استهدفت ضربة بطائرة مسيّرة سوق أُمِّيت في 19 أكتوبر/تشرين الأول، وأفادت السلطات المحلية بمقتل 153 شخصًا وإصابة آخرين، إلى جانب اندلاع حريق في مستودع للوقود.

وأكد مسؤولون محليون مسؤولية الجيش السوداني عن تنفيذ الهجوم، بينما قال مسؤول عسكري إن الضربة استهدفت صهاريج وقود قال إنها تمد قوات الدعم السريع بالإمدادات، وزعم أن القتلى كانوا من عناصر القوات أو مهربي الوقود.

ماذا تكشف أرقام الأمم المتحدة؟

وتعكس أرقام الضحايا اتساع الأثر الإنساني للهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان، إذ أعلنت الأمم المتحدة مقتل 1100 مدني على الأقل في ضربات من هذا النوع خلال النصف الأول من عام 2026.

كما قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن مكتبه وثّق مقتل 306 أشخاص وإصابة مئات آخرين جراء هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر/تشرين الأول وحده.

وشملت الهجمات، وفق بيانات الأمم المتحدة، منازل وأسواقًا ومستشفيات ومواقع نزوح ومحطات كهرباء ومصادر للمياه، في مناطق مختلفة.

هل تشكل الهجمات انتهاكًا للقانون الدولي؟

يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاعات المسلحة التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، كما يلزمها باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية السكان، ويحظر الهجمات العشوائية أو التي يُتوقع أن تؤدي إلى خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المرجوة.

وبناءً على ذلك، فإن استهداف سوق مكتظة يثير تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة الهدف الذي استُهدِف، والمعلومات التي استند إليها منفذو الهجوم، والإجراءات التي اتُخذت لتجنب سقوط المدنيين، ومدى تناسب الخسائر البشرية المتوقعة مع أي هدف عسكري معلن.

ولا يكفي إعلان أن الضربة استهدفت عناصر من قوات الدعم السريع لحسم قانونية الهجوم، بل يتطلب الأمر تحقيقًا مستقلًا في طبيعة الموقع والضحايا والهدف العسكري والاحتياطات المتخذة قبل تنفيذ الغارة.

وكانت قوى مدنية سودانية قد طالبت في تصريحات سابقة لـ«العين الإخبارية» بتحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الضربات التي تطال الأسواق والمناطق المدنية، متهمة قيادة الجيش بتوسيع نطاق العمليات الجوية على نحو يعرض السكان للخطر.

المدنيون في مرمى حرب المسيّرات.

وتأتي هذه الهجمات في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023، واتساع رقعة النزوح وتدهور الأمن الغذائي وتعطل الخدمات الأساسية.

وتتجاوز آثار قصف الأسواق سقوط القتلى والجرحى؛ إذ يؤدي تدمير هذه المراكز إلى تعطيل التجارة وقطع مصادر دخل الأسر، ويزيد صعوبة الحصول على الغذاء والدواء، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا نقص الإمدادات والخدمات.

وفي هذا السياق، حذرت عشرات الدول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا، من التدهور المقلق للأمن الغذائي في السودان، ودعت طرفي النزاع إلى إزالة جميع العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية، وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني والبنية التحتية المدنية.

وجاء في بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الأمريكية: «يشهد السودان تدهورًا مقلقًا في أمنه الغذائي. إن خطر المجاعة خلال الأشهر المقبلة، الذي حذرت منه مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يتطلب تحركًا عاجلًا».

وأضاف البيان: «يتحمل طرفا النزاع المسؤولية الرئيسية عن تخفيف معاناة الشعب السوداني».

كما حث البيان طرفي الحرب على السماح بمرور العمليات الإنسانية عبر جميع المسارات العابرة لخطوط القتال والحدود، وضمان استمرار وجود العاملين في المجال الإنساني وحمايتهم في أنحاء السودان، وعدم شن هجمات على البنية التحتية المدنية.