دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة، مع إعلان الأمم المتحدة، الأحد، بدء تصفية بعثتها للاستفتاء في الصحراء المغربية «مينورسو»، بعد انتهاء ولايتها، السبت، دون التوصل إلى اتفاق داخل مجلس الأمن على تمديدها، ويعني هذا إنهاء مهمة استمرت 35 عامًا.

وجاء الإعلان بعد إخفاق مجلس الأمن في تمرير مشروعي قرارين أمريكي وروسي بشأن مستقبل البعثة، إثر استخدام موسكو حق النقض ضد المشروع الأمريكي، وفشل المقترح الروسي في الحصول على الأصوات اللازمة.

وبذلك لم تعد البعثة تمتلك تفويضًا أمميًا لمواصلة عملياتها، لتبدأ الأمم المتحدة مرحلة إدارية ولوجستية تهدف إلى إنهاء وجودها الميداني والتعامل مع المعدات والأصول التابعة لها.

لكن بدء تصفية «مينورسو» لا يعني بالضرورة انتهاء دور الأمم المتحدة السياسي في النزاع، إذ أكد الأمين العام أنطونيو غوتيريش استمرار استعداد المنظمة لدعم الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية عبر مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.

ماذا يعني إعلان بدء تصفية «مينورسو»؟

وأوضح ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن الأول من نوفمبر/تشرين الثاني يمثل بداية فترة تصفية البعثة، وهي مرحلة تتولى خلالها مجموعة مصغرة تابعة لإدارة الدعم التشغيلي في الأمم المتحدة الإشراف على الإجراءات المتعلقة بإنهاء العمليات الميدانية.

وتشمل هذه الإجراءات النقل المنظم للأصول والمعدات العائدة إلى الدول المساهمة بقوات إلى بلدانها، والتنازل عن المعدات التابعة للأمم المتحدة أو التخلص منها وفق الإجراءات المعتمدة.

وبالتالي، فإن التصفية لا تعني مجرد تغيير اسم البعثة أو تقليص عدد أفرادها، بل تمثل انتقالًا إلى إنهاء عملياتها الميدانية وسحب أصولها ومعداتها، بعد انتهاء التفويض الذي كان يسمح لها بالعمل.

وكانت البعثة قد أُنشئت عام 1991، وبلغ عدد أفراد مكونيها المدني والعسكري 359 شخصًا حتى يونيو/حزيران 2026، وفق بيانات موقعها الإلكتروني.

وأشاد غوتيريش بدور البعثة منذ إنشائها، ولا سيما في مراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف الملائمة للتوصل إلى تسوية سياسية، كما أثنى على جهود العاملين فيها، وكرّم ذكرى 20 فردًا فقدوا حياتهم خلال خدمتهم ضمن البعثة.

لماذا انتهت ولاية البعثة دون تمديد؟

انتهت ولاية «مينورسو» نتيجة فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين قدمتهما الولايات المتحدة وروسيا خلال جلسة الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وكان المشروع الأمريكي يستهدف تمديد ولاية البعثة عامًا إضافيًا حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2027، مع تغيير اسمها اعتبارًا من الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، ووضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في صميم المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع.

وحصل المشروع على تأييد 11 عضوًا من أصل 15، لكن روسيا استخدمت حق النقض، ما حال دون اعتماده رغم حصوله على أغلبية الأصوات.

وبررت موسكو موقفها برفض ما وصفته بالنهج أحادي الجانب، معتبرة أن المشروع الأمريكي لا يوفر أساسًا متوازنًا للتعامل مع النزاع.

وفي المقابل، قدمت روسيا مشروعًا مضادًا يقضي بتمديد ولاية «مينورسو» عامًا إضافيًا وفق الشروط والتفويض السابقين، دون تغيير اسمها أو طبيعة مهمتها.

لكن المقترح الروسي لم يحصل سوى على تأييد ثلاثة أعضاء، مقابل تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع 11 عضوًا، ولم يتمكن بذلك من بلوغ الحد الأدنى المطلوب لاعتماده.

وبفشل المشروعين، انتهت الولاية الأممية في موعدها المحدد، دون وجود قرار جديد يسمح باستمرار البعثة.

ما الذي كان مطروحًا في المشروع الأمريكي؟

لم يقتصر المشروع الأمريكي على تمديد ولاية البعثة، بل استهدف إعادة صياغة الإطار الذي تعمل من خلاله، عبر إدخال تعديلات على اسمها ومهمتها، وربط التحرك الأممي بصورة أوضح بمسار التفاوض حول مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وتتضمن المبادرة التي قدمها المغرب عام 2007 منح الإقليم حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية، مع تولي سكانه إدارة شؤونهم الداخلية، بينما تظل قضايا السيادة والعلاقات الخارجية ضمن صلاحيات الدولة المغربية.

وكان المشروع الأمريكي المعدل قد وصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الخيار الأكثر قابلية للتطبيق، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية نهائية ومقبولة من الأطراف، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير.

كما تضمن المشروع تغيير اسم البعثة، وطلب تقديم مقترحات بشأن هيكلها وموظفيها ومواردها، على أن ينظر مجلس الأمن لاحقًا في مستقبل تفويضها في ضوء تطورات العملية السياسية.

لكن استخدام روسيا الفيتو حال دون دخول هذه التعديلات حيز التنفيذ، كما لم ينجح المقترح الروسي البديل في إبقاء البعثة وفق تفويضها السابق.

كيف استقبل المغرب التطورات داخل مجلس الأمن؟

أبدى المغرب ارتياحه لعدم تجديد ولاية «مينورسو»، واعتبر التطور خطوة مهمة باتجاه إنهاء ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

وقال الديوان الملكي المغربي إن عدم تمديد مهمة البعثة يعني أن وجودها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يشمل طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

ووصف البيان انتهاء الولاية بأنه طي لصفحة استمرت 35 عامًا، معتبرًا أن البعثة أصبحت جزءًا من سياق سابق لم يعد يتناسب مع التطورات السياسية التي شهدها الملف.

ولم يقتصر الموقف المغربي على الترحيب بإنهاء المهمة الميدانية، بل دعا أيضًا إلى وضع حد لإحالة القضية على مجلس الأمن وسحبها من جدول أعماله، معتبرًا أن المسار السياسي الأممي لم يحقق تقدمًا بسبب ما وصفه بمماطلة الأطراف الأخرى وإدامة حالة الجمود.

وأشار البيان إلى أن الرباط ستعمل على اتخاذ خطوات مماثلة داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، مع تأكيد تمسكها بوقف إطلاق النار واحترام وحدة أراضيها وأمنها الوطني.

كما اعتبر المغرب أن الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية اتسع، مشيرًا إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة يؤيدون هذا الإطار، وفق تقدير البيان الملكي.

هل انتهى دور الأمم المتحدة في ملف الصحراء؟

ورغم انتهاء العمليات الميدانية للبعثة وبدء تصفية أصولها، فإن ذلك لا يعني انتهاء الدور السياسي للأمم المتحدة في النزاع.

فقد أكد غوتيريش أن المنظمة لا تزال مستعدة لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية، من خلال مبعوثه الشخصي ستيفان دي ميستورا.

وشدد الأمين العام على ضرورة احترام وتعزيز حقوق شعب الصحراء المغربية، ولا سيما حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، مؤكدًا أن مغادرة البعثة لا تلغي هذه الحقوق.

كما أعرب عن قلقه من خطر تصعيد الأعمال العدائية، ودعا الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة التوتر أو الإضرار بالاستقرار الإقليمي.

وهذا يعني أن انتهاء مهمة «مينورسو» لا يساوي تلقائيًا انتهاء المسار الدبلوماسي.

لماذا أُنشئت «مينورسو» وما طبيعة مهمتها؟

تعود بداية البعثة إلى عام 1991، عندما أنشأها مجلس الأمن بموجب القرار 690، في إطار خطة تسوية وافق عليها المغرب وجبهة بوليساريو، تضمنت وقف إطلاق النار والإعداد لاستفتاء يختار فيه سكان الإقليم بين الاستقلال والانضمام إلى المغرب.

وكانت مهامها الأساسية تتمثل في مراقبة وقف إطلاق النار، ومتابعة الأوضاع الميدانية، والمساهمة في تهيئة الظروف لتنظيم الاستفتاء، إضافة إلى مهام مرتبطة بعملية التسوية وإعادة اللاجئين.

لكن الاستفتاء لم يُنظم طوال العقود التالية، بسبب الخلافات بشأن قوائم الناخبين وطبيعة العملية الانتخابية والخيارات المطروحة، واستمر النزاع السياسي بين الرباط وجبهة بوليساريو.

وتعقد المشهد مجددًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، مع انهيار وقف إطلاق النار واستئناف الأعمال العدائية، ما أبقى البعثة في موقع مراقبة التطورات الميدانية والحد من مخاطر التصعيد، رغم تعثر المسار السياسي.

ماذا بعد تصفية البعثة؟

ويفتح انتهاء ولاية «مينورسو» مرحلة غير مسبوقة منذ عام 1991، إذ لم يعد هناك تفويض أممي قائم للبعثة بمواصلة مهامها الميدانية، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية محل خلاف بين الأطراف.

ويرى المغرب أن عدم تجديد الولاية يمثل تطورًا يخدم توجهه نحو إنهاء الملف داخل مجلس الأمن، فيما تتمسك الأمم المتحدة باستمرار حق تقرير المصير وبضرورة التوصل إلى تسوية سلمية مقبولة.