“فتيل يشعل مدينة” عبارة تنطبق على وقائع الشغب في مدن أوروبية، من باريس إلى تيرانا، وتسجل عودة “المولوتوف” لصدارة المشهد عالميا.
المولوتوف، تركيبة بدائية معروفة بـ”قنبلة الفقير”، مكونة من زجاجة فارغة، وبضع قطرات من سائل حارق، وخرقة قماش بالية، لكنها واحدة من أخطر تكتيكات الشغب، وأكثرها إرباكا، ما ظهر في الاحتجاجات الحالية في دول أوروبية.
ولم تعد هذه التركيبة مجرد سلاح عشوائي ارتبط بحروب العصابات، بل استعادت صدارتها كأحد أكثر التكيتكات إرباكاً لأجهزة مكافحة الشغب في أوروبا خلال احتجاجات عام 2026.
فتيل يحرق مدينة
المولوتوف أحد أكثر أدوات الشغب والعنف خطورة، لأنها تحدث ضررا كبيرا، بتكلفة مادية متواضعة للغاية وبالكاد تذكر.
التكلفة شبه المنعدمة: تصنيع لا يتجاوز بضعة يوروهات بمواد متاحة في أي متجر أو محطة وقود.
* الأثر: إشعال فتيل واحد كفيل بإجبار تشكيلات أمنية كاملة على التراجع، وإغلاق شوارع رئيسية لساعات، مما يربك خطط التأمين في مدن بأكملها ويحول الاحتجاج إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ويصل الأمر لحرق ممتلكات ومقار حكومية.
خريطة الشغب بـ2026
مع امتداد الاحتجاجات والشغب في خريف 2026، من مواقع تقليدية كفرنسا، وخاصة ضواحي المدن الرئيسية، لجنوب وشرق أوروبا، ظهر المولوتوف بكثافة في أيدي مثيري الشغب، وتحول لأداة حرق وتدمير رخيصة.
1. ألبانيا
.
الواقعة: بلغت الاحتجاجات المناهضة للحكومة ذروتها في تيرانا، حيث تصاعدت اشتباكات ليلية عنيفة قادها طلاب ونشطاء معارضون.
إذ أقدم محتجون على رشق مقر رئاسة الوزراء ومباني حكومية مباشرة بزجاجات الملوتوف والحجارة، وفق شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية.
المشهد الميداني: اشتعلت النيران في محيط مبنى حكومي على الأقل، ونشرت السلطات وحدات التدخل السريع وخراطيم المياه بعد إصابة عناصر من الشرطة والمتظاهرين جراء المقذوفات المشتعلة.
2. إيطاليا
.
الواقعة: شهدت مدن إيطالية موجة اضطرابات واسعة، شارك فيها تحالف واسع من الحركات الطلابية والعمالية احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الوقود، وأزمة السكن، والإنفاق الحكومي.
المشهد الميداني: تصاعدت الاشتباكات أمام المقار الوزارية؛ واستُخدمت الزجاجات الحارقة والمفرقعات المتفجرة ضد الشرطة، مما دفع الأخيرة لاستخدام خراطيم المياه وتنفيذ توقيفات استباقية.
3. فرنسا
.
الواقعة: مطالب اجتماعية وتعليمية تحولت إلى أعمال عنف أسفرت في فرنسا عن إصابة نحو 600 من أفراد الأمن.
التداعيات: استخدم مثيرو الشغب المولوتوف ضد الشرطة في مدن عدة بينها مارسيليا، لإرباك المشهد الميداني، وفق تقارير محلية.
تحول تكتيكي
لم يعد إلقاء الملوتوف تصرفاً فردياً انفعالياً أو بدائيا، بل تطور تكتيكياً عبر ثلاثة محاور رئيسية:
التركيبة الكيميائية: الانتقال من الوقود العادي وسدادات القماش البسيطة إلى خلطات باتت تعرف بـ”كوكتيل المولوتوف”، تعتمد على إضافة الزيوت أو الصابون أو مذابات البوليسترين؛ لضمان التصاق المادة الحارقة بدروع وخوذ رجال الأمن والآليات، مما يجعل محاولات الإطفاء السريع بالمياه غير مجدية، وفق كتاب التحقيق في الحرائق الصادر في 2011.
* الإدارة والتوزيع اللوجستي: الاستغناء عن نقاط التخزين الثابتة المكشوفة، واللجوء إلى مستودعات إمداد متحركة داخل الأزقة الخلفية، تُدار لحظياً بتوجيهات وإحداثيات فورية عبر مجموعات تليجرام وقنوات اتصال مشفرة، وفق تقارير صحفية.
الأضرار وآليات المواجهة
تٌحدث زجاجات المولوتوف ضررا يبدأ بإحداث إصابات وسط عناصر الشرطة والمدنيين ويصل إلى إحراق المباني والمؤسسات، وتتراوح التهم التي توجه لحامليها من الشغب إلى الشروع في القتل.
وتتنوع مقترحات مواجهتها كالتالي:
مسيرات الرصد: تمشيط الشوارع الخلفية لرصد الأفراد الذين يقومون بتعبئة الزجاجات قبل وصولهم إلى خطوط التماس، استنادا لدراسة، بعنوان “الطائرات المسيرة لمراقبة الحشود وتحليلها”، نشرتها مجلة إلكترونكس في 2021:
ملابس واقية وتدخل سريع: يمكن تزويد فرق التدخل بملابس واقية من الزجاجات الحارقة، وطفايات قادرة على خنق المواد البترولية اللزجة قبل اشتعال الدروع.
أصل المولوتوف
تعود تسمية هذه القنابل البدائية، إلى فاياشسلاف ميخايلوفيتش مولوتوف، الذي خدم لفترة طويلة كوزير لخارجية الاتحاد السوفياتي. وارتبطت مثل هذه القنابل بالحرب الأهلية الإسبانية (أول ظهور)، وحرب الشتاء، وفق هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1939، اجتاح الروس فنلندا، لتبدأ بذلك حرب عُرفت باسم “حرب الشتاء”. وبسبب تلك الحرب ذاعت شهرة قنابل المولوتوف.
في ذلك الوقت، صرّح فاياشسلاف مولوتوف للإذاعة السوفياتية بأن جيش بلاده لا يُسقط قنابل على الفنلنديين، وإنما طعام لشعب يتضور جوعا. وبدافع السخرية، رد الفنلنديون بإطلاق اسم قنابل “مولوتوف” على الزجاجات الحارقة التي يستخدمونها ضد الروس.
واستخدم الفنلنديون تلك الزجاجات الحارقة في الهجوم على مركبات السوفييت المصفحة.
ومنذ حرب الشتاء تلك، أصبح اسم هذه الزجاجات الحارقة هو “قنابل المولوتوف”. على أن ذلك الصراع لم يكن الأول الذي يستخدم فيه هذا السلاح، وإنما استخدمت تلك الزجاجات الحارقة في الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939.


