يجادل فريق من الخبراء بأن مسألة خلافة روسيا للاتحاد السوفياتي لم يتم حسمها بشكل سليم.
وطرح مجموعة من الأوكرانيين، بينهم دبلوماسي سابق رفيع المستوى، خطة طموحة وصعبة التحقيق تهدف إلى تجريد روسيا من أحد أقوى أسلحتها السياسية وهي عضويتها في الأمم المتحدة وتستند الخطة إلى سؤال تقني: هل تعد روسيا، بشكلها الحالي، عضواً شرعياً في المنظمة الدولية؟
فمن أين تاتي جذور الخلاف؟
وأوضح تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، أنه نظراً للظروف السياسية التي سادت في بدايات تأسيس الأمم المتحدة، كان للاتحاد السوفياتي ثلاثة مقاعد داخل المنظمة؛ وهي:
- مقاعد الاتحاد السوفياتي
- جمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفياتية
- جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية.
ومن الناحية التقنية، كان الاتحاد السوفياتي نفسه يضم العديد من الجمهوريات السوفياتية المختلفة، بما في ذلك “جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية”.
وعندما تفكك الاتحاد السوفياتي، تحولت مكوناته إلى دول مستقلة وبناءً على ذلك، يجادل الفريق الأوكراني بأن “الاتحاد الروسي” يمثل دولة جديدة، وليس مجرد تغيير في اسم الاتحاد السوفياتي.
ويمكن للدول التي تغير أسماءها إخطار الأمم المتحدة بذلك بسهولة، إلا أن إجراءات الاعتراف بدولة جديدة تُعد أكثر تعقيداً وتستغرق وقتاً أطول.
عمليات معقدة
ويرى فولوديمير يلتشينكو، سفير أوكرانيا السابق لدى الأمم المتحدة أن قبول روسيا، بصفتها كياناً نشأ حديثاً، كوريث للاتحاد السوفياتي كان خطأً فادحا وقال “إنها أكبر عملية احتيال في القرن؛ فالاتحاد الروسي لم يوقع أبدا على ميثاق الأمم المتحدة”.
وخضعت دول أخرى، نشأت عقب تفكك دول أكبر، لعملية أكثر دقة وانضباطاً للانضمام رسمياً إلى الأمم المتحدة؛ أما روسيا، فقد اكتفت في ذلك الوقت بإرسال خطاب غير رسمي، بدلاً من الخضوع لتصويت رسمي على القبول وفقاً للمادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف يلتشينكو: “لقد مرت البوسنة والهرسك بهذه العملية، تماشياً مع المادة الرابعة، في عام 1992 عقب انهيار يوغوسلافيا.. أما الروس فلم يفعلوا شيئاً من هذا القبيل؛ بل اكتفوا فقط بتغيير اللافتة التي تحمل اسم الدولة على الطاولة”.
هل يمكن اتخاذ إجراءات بناء على هذه الثغرة؟
وتبدو احتمالية أن تقوم الأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا بناءً على هذه الثغرة الإجرائية ناهيك عن إزالتها من مقعدها في مجلس الأمن، ضئيلة للغاية ومع ذلك، يرى الفريق الأوكراني فوائد في طرح القضية للنقاش.
ويخطط الفريق لأن تطلب أوكرانيا بالتنسيق مع وفود أخرى تشترك معها في وجهة النظر إدراج هذه المسألة ضمن جدول الأعمال الرسمي للجمعية العامة للأمم المتحدة، بحلول العام المقبل علل أمل أن يؤدي طرح النقاش علناً إلى فتح باب أوسع للحوار عما إذا كانت روسيا (في حال تقدمت بطلب للانضمام اليوم) ستستوفي معايير المادة الرابعة أي أن تكون دولة “مُحبة للسلام”، وتقبل “الالتزامات الواردة في هذا الميثاق”، وتكون “قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات وراغبة في ذلك”.
وفي إطار هذا الطلب، سيسعى الفريق الأوكراني إلى إحالة ملف روسيا إلى “لجنة أوراق الاعتماد” التابعة للأمم المتحدة، والتي تتألف من تسعة أعضاء.
ورغم أن اللجنة لا تشترط إجماع الآراء لإصدار تقرير، إلا أن وجود كل من روسيا والصين والولايات المتحدة كأعضاء دائمين يجعل اتخاذ أي إجراء أمراً مستحيلاً من الناحية العملية.
لكن ذلك لا يمنع الجمعية العامة من إجراء تصويت على المقترح يتطلب أغلبية بسيطة فقط، كما أن سلطة استخدام حق النقض (الفيتو) التي يمتلكها مجلس الأمن تقتصر على القرارات الجوهرية ولا تمتد إلى القرارات الإجرائية التي تتخذها الجمعية العامة.
هل هناك إجراءات مماثلة؟
وهناك سابقة تاريخية لتجميد أوراق اعتماد دولة عضو في الأمم المتحدة وهو ما حدث مع جنوب أفريقيا أثنإء نظام الفصل العنصري في عام 1974، وهو ما يعني منع وفد تلك الدولة من المشاركة بأي شكل من الأشكال ورغم فعالية هذا الإجراء، إلا أنه لا يزال مثيراً للجدل.
وفي حين نجحت أوكرانيا في حشد دعم واسع لمقترحات سابقة في الأمم المتحدة ضد روسيا إلا أنها قد تجد صعوبة أكبر في إيجاد حلفاء مستعدين للعمل على تعليق مشاركة روسيا.
وعن السبب وراء الحملة، قال يلتشينكو “تستخدم روسيا الأمم المتحدة لأغراض متعددة؛ فهي توظف الفيتو لحماية نفسها كما تستخدم المنظمة الدولية كمنصة لبث دعايتها السياسية”.
عواقب سلبية
ولا يشكك الأوكرانيون في ضآلة فرص نجاح هذه العملية كما يبدي آخرون شكوكهم، معربين عن قلقهم من أن تؤدي هذه الخطوة إلى استنزاف رصيد أوكرانيا السياسي لدى حلفائها الدوليين.
وقالت جين كينينمونت، الرئيسة التنفيذية لرابطة الأمم المتحدة في المملكة المتحدة “رغم وجود تعاطف كبير مع أوكرانيا بين العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلا أن هذه العملية ستكون بلا شك معقدة سياسياً”.
وأوضحت أنه “إلى جانب المسائل القانونية المطروحة، هناك واقع سياسي يتمثل في أن العديد من الدول الأعضاء لا ترى روسيا الدولة الوحيدة التي تسيء استخدام الفيتو في مجلس الأمن”.
طرح معقد
وهناك عامل آخر يزيد من تعقيد هذا الطرح وهو الوضع المعترف به دولياً للاتحاد الروسي باعتباره “الدولة التي خلفت” الاتحاد السوفياتي حيث عمل الدبلوماسيون -آنذاك- على التوصل إلى اتفاق يضمن استمرار العلاقات الدولية، بما في ذلك بقاء السفارات الأجنبية داخل روسيا، والسفارات الروسية في مختلف أنحاء العالم وهو وضع قبلت به الحكومة الأوكرانية في ذلك الوقت.
ويخشى آخرون من أن تكون هذه الخطة محفوفة بالمخاطر الدبلوماسية. وأعرب عدد من المسؤولين والدبلوماسيين المطلعين على الخطة، والذين فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، عن قلقهم من مطالبة الحلفاء باستثمار رصيدهم السياسي في مشروع قد يؤدي فشله إلى تراجع التعاطف الدولي مع أوكرانيا.
ويشعر هؤلاء بقلق خاص إزاء المزاج العام في أوروبا، حيث يتزايد “الإرهاق من الحرب”، في حين تلوح في الأفق انتخابات في فرنسا وألمانيا وغيرهما وقد تؤدي إلى وصول أحزاب موالية لروسيا إلى سدة الحكم.
ويتفهم الفريق الأوكراني هذه المخاوف، لكنهم يرون أن المضي قدماً في طرح القضية لا يزال أمراً يستحق العناء.


