تم تحديثه الأربعاء 2026/10/28 09:50 م بتوقيت أبوظبي
ربما كانت المفاجأة الأهم بالانتخابات الإسرائيلية هي حفاظ بنيامين نتنياهو على قوة كتلته اليمينية وحزب “الليكود” كأكبر حزب بالكنيست.
فبعد أشهر طويلة من استطلاعات الرأي العام التي توقعت خسارة “الليكود” موقعه كأكبر حزب بالكنيست، فإن الانتخابات أظهرت أن الحزب اليميني حافظ على موقعه وإن كان أقل من مقاعده بالكنيست المنتهية ولايته.
وفيما عدا القناة 14 اليمينية الإسرائيلية، المقربة من نتنياهو، والتي أصرت في استطلاعاتها طوال أشهر بأن “الليكود” هو الأكبر في الكنيست فإن الاستطلاعات الأخرى قالت إنه سيفقد موقعه.
وكانت محطات التلفزة الإسرائيلية، غالبيتها خاصة، تتهم القناة 14 بأنها منحازة لنتنياهو لتفسير سبب التفاوت بين نتائجها ونتائج هذه القناة التي لا تخفي دعمها لنتنياهو.
ولذلك فإن النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية جاءت مخالفة تماما للاستطلاعات التي كانت تنشرها محطات التلفزة والصحف المكتوبة على مدى أشهر طويلة.
وحتى في استطلاعات العينات التلفزيونية فإن محطات التلفزة، باستثناء القناة 14، تحدثت عن تقدم كتلة المعارضة على كتلة نتنياهو.
ولكن اتضح مع فرز أصوات الناخبين إن كتلة نتنياهو هي أعلى مما تم نشره بداية وحتى أعلى من كتلة المعارضة الإسرائيلية.
ويفسر أنصار اليمين ونتنياهو إن محطات التلفزة وغيرها من وسائل الإعلام الإسرائيلية منحازة ضد نتنياهو.
ولكن محطات التلفزة تنفي على الدوام هذه الاتهامات مشيرة إلى أنها تتعامل بمهنية مع جميع أطراف الطيف السياسي في إسرائيل.
ولم تفسر محطات التلفزة الإسرائيلية سبب التفاوت الكبير بين نتائج استطلاعاتها التي توقعت على مدى أسابيع سقوط مدو لنتنياهو والنتائج الفعلية للانتخابات التي أظهرت بأنه حقق نتائج جيدة وإن كانت غير كافية لحفاظه على حكومته الحالية.
ولطالما برزت إشكالية التفاوت بين نتائج استطلاعات الرأي العام ونتائج الانتخابات الفعلية في كل انتخابات، ولكن هذه الانتخابات كان التفاوت كبيرا.
وقال موقع “تايمز أوف إسرائيل: ” على مدى أسابيع، تعرض الإسرائيليون لوابل من استطلاعات الرأي التي أجرتها كبرى وسائل الإعلام، والتي تدعي التنبؤ بكيفية تصويت الناخبين ومن سيحكم البلاد بعد الانتخابات”.
وأضافت: “إن افتقار استطلاعات الرأي الانتخابية في إسرائيل إلى الدقة ليس بالأمر الجديد، بل هو ظاهرة مستمرة منذ عقود وأصبحت جزءاً ثابتاً من كل عملية انتخابية؛ إذ غالباً ما تختلف النتائج النهائية عما توقعته الاستطلاعات قبل أيام قليلة”.
وتابعت: “ومع ذلك، ومن المفارقات أن الإسرائيليين لا يملّون من متابعتها؛ ففي بلد مهووس بالسياسة، حيث تكون الرهانات عالية جداً، توفر هذه الاستطلاعات بيانات ملموسة يمكن التمسك بها”.
ووجه اليمين عميت سيغال، المحلل السياسي في القناة 12، انتقادات لاذعة لمعاهد استطلاع الرأي، وذلك بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي التي أُجريت عند الخروج من مراكز الاقتراع في انتخابات الكنيست الإسرائيلي السادس والعشرين نتائج تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي سبقت الانتخابات.
وكتب سيغال: “يجب الاعتراف بأن هذا يمثل “يوم كيبور” (يوم الغفران) بالنسبة لمعظم القائمين على استطلاعات الرأي”، مشيراً إلى التباين الكبير بين التوقعات -التي منحت المعارضة تفوقاً بفارق ستة مقاعد- وبين النتائج الفعلية للانتخابات.
ويرى سيغال أن تحولاً بهذا الحجم في غضون أيام قليلة لا يمكن تفسيره من خلال التقلبات الطبيعية في الرأي العام.
وقال: “لا توجد وسيلة إحصائية تفسر كيف يمكن أن ينقلب تفوق المعارضة بستة مقاعد في غضون أربعة أيام”.
وفي إشارة إلى سنوات من التوقعات المماثلة، أضاف سيغال: “هذا يجعل من استطلاعات الرأي التي أُجريت على مدى أربع سنوات -والتي قدمت لنا صورة للواقع تبين لاحقاً أنها لا تمت للواقع بصلة- موضع سخرية””.
كما أشار إلى أن المشكلة تتجاوز مجرد تقدير القوة الانتخابية للأحزاب السياسية، لتشمل أيضاً قياس الرأي العام حول قضايا كبرى هيمنت على الأجندة الوطنية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الحرب، وتشكيل لجنة تحقيق، وصفقات إطلاق سراح الرهائن، وقضايا أخرى.
وقالت الإسرائيلية نيلي ليرنر في تدوينة على “فيسبوك”: “لا أملك تفسيراً لما يحدث. فالفجوة بين استطلاعات الرأي والنتائج الفعلية، والتناقض بين الانهيار التام لحملة نتنياهو وعدد المقاعد التي يحصل عليها حزب “الليكود”، والأهم من ذلك سلوكه الانتحاري — وتحديداً استعداده لفعل أي شيء، بما في ذلك إشعال حرب، لعرقلة الانتخابات — كل هذا لا يشكل تفسيراً متماسكاً للنتائج التي نراها أمامنا”.
واستدركت: “تسلسل الأحداث يجعل من الصعب القول بوجود تزوير، إلا إذا تبنى المرء نظرية مؤامرة متطرفة تفترض سيطرة مطلقة من قبل أطراف خارجية ذات مآرب خفية. وفي هذه المرحلة، لا يستحق الأمر الخوض في هذا المسار على الإطلاق”.
ومع ذلك قال إسحاق حداد في تدوينة على “فيسبوك”: ” إن المسألة تتجاوز كونها إخفاقاً مهنياً أو خطأً إحصائياً؛ إذ ثمة اشتباه قوي في أن استطلاعات الرأي استُخدمت كأداة لتشكيل عقول الناخبين عبر خلق انطباع زائف بوجود فائز وهمي، وذلك بهدف التأثير على سلوك الناخبين ونتائج الانتخابات”.
وأضاف: “لذا، بات إجراء تحقيق شامل أمراً حتمياً: من الذي طلب إجراء هذه الاستطلاعات؟ وما هي البيانات الفعلية؟ وكيف جرت معالجتها؟ ومن الذي أعطى الضوء الأخضر لنشرها؟ وهل كانت هناك نية مبيتة لتضليل الجمهور؟”.
وتابع: “وإذا تبين أن البيانات قد حُرِّفت عن عمد للتأثير على مسار الانتخابات، فإننا لا نكون بصدد خطأ في استطلاعات الرأي، بل أمام شبهة ارتكاب فعل جنائي جسيم”.
وأردف حداد: “إن الديمقراطية تقتضي إجراء انتخابات حرة ونزيهة، لا هندسة للرأي العام تحت ستار استطلاعات الرأي العلمية”.
أما دوريت بوحبوط فكتبت في تدونية على “فيسبوك”: “تثير استطلاعات الرأي التي أُجريت عند مراكز الاقتراع تساؤلات صعبة. فعندما يُقدَّم للجمهور مشهدٌ يوحي بأن حزب “الليكود” يتجه نحو الهزيمة – وحين تثير الفجوات بين هذه الاستطلاعات والنتائج الفعلية شكوكاً جدية – فلا يمكن توقع أن يظل الجمهور صامتاً دون المطالبة بتفسيرات”.
وأضافت: “ثمة انطباع بأن هناك محاولة لترسيخ فكرة أن “الليكود” في طريقه إلى الخسارة؛ بهدف خلق شعور بهزيمة وشيكة وتشكيل تصور الناس للواقع السياسي. هل كان ذلك مجرد خطأ في عمليات الاستطلاع، أم أن صورة الواقع التي عُرضت على الجمهور كانت تهدف أيضاً إلى التأثير في الوعي العام؟ هل حاول أحدهم هندسة وعينا وتوجيهنا نحو تصديق رواية معينة، حتى قبل أن يقول الجمهور كلمته في صناديق الاقتراع؟”.
واستدركت: “ورغم أن إثبات وجود محاولة متعمدة لهندسة الوعي يتطلب أدلة، إلا أن هذه التناقضات تستدعي بلا شك تقديم تفسير وإجراء تحقيق جاد. إن من حق الجمهور أن يعرف كيف أُجريت استطلاعات الرأي، وما هي الافتراضات التي استندت إليها، ولماذا اختلفت الصورة التي قُدِّمت للجمهور عن النتائج الفعلية. إنهم ببساطة يظنون أن الجمهور غبي”.


