تكشف قضية شبكة الاتجار غير المشروع بالأسلحة وغسل الأموال، التي أسدلت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية الستار عليها، عن وجه آخر للحرب.

في السودان؛ حيث تتقاطع صفقات التسليح مع شبكات التمويل والعمولات، في وقت تتفاقم فيه معاناة ملايين السودانيين جراء النزوح والجوع وانهيار الخدمات.

وبينما تفتح الأحكام الباب أمام مساءلة المتورطين، تبرز تساؤلات أعمق بشأن اقتصاد الحرب، والجهات التي تجني مكاسبه، ومدى إسهام تجفيف منابع التمويل غير المشروع في تقليص مصالح المستفيدين من استمرار الصراع وتهيئة الطريق أمام تسوية سياسية تنهي معاناة السودانيين.

وأسدلت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية الستار على قضية شبكة الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر وغسل الأموال، وقضت بإدانة عدد من المتهمين في قضية كشفت عن شبكة تداخلت فيها صفقات السلاح مع الشركات التجارية والتحويلات المصرفية والمبالغ النقدية، لتوريد أسلحة وذخائر وعتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وإخفاء حقيقة الأموال ومصادرها ووجهاتها.

فهل يهيئ ذلك التطور الأرضية لوقف الحرب؟

قال المحلل السياسي السوداني إيهاب مادو، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن كشف الشبكة ومحاسبة المتورطين يمكن أن يساهما في تجفيف أحد مصادر تمويل الحرب وتقليص فرص الاستفادة منها، بما قد يساعد على الحد من استمرار الصراع ومعاناة السودانيين.

وأوضح أن صفقات التسليح غير المشروعة والعمولات المالية المرتبطة بها لا يمكن فصلها عن سياق الحرب في السودان، إذ تطرح تساؤلات بشأن تحول الصراع من مواجهة على السلطة إلى منظومة اقتصادية تتشابك فيها مصالح الوسطاء وشبكات النفوذ وتنظيم الإخوان المسلمين، على حساب الشعب السوداني.

الإمارات-وحصار-شبكة-السلاح-لبورتسودان-مح-Isnn.png" width="100%" style="width: 100%" alt="الإمارات وحصار شبكة السلاح لبورتسودان.. محاسبة تكبح اقتصاد الحرب (خاص) - صورة 1" loading="lazy">

وأوضح مادو أن ظهور مؤشرات على صفقات عسكرية وعمولات بملايين الدولارات يثير تساؤلات حول إدارة الموارد العامة وشفافية التعاقدات العسكرية وآليات الرقابة عليها، خصوصاً في ظل الأزمة الإنسانية التي تشهد اتساع رقعة النزوح والجوع وتراجع قدرة المؤسسات الصحية والخدمية على تلبية احتياجات السكان.

استنزاف الموارد

وأضاف أن اقتصاد الحرب لا يقتصر على تمويل العمليات العسكرية، بل يمتد إلى شبكات المصالح المرتبطة بشراء الأسلحة ونقلها وتوريدها والتحكم في تدفقات الأموال، بما يتيح لبعض الوسطاء والموردين تحقيق مكاسب خاصة من الإنفاق العسكري، بينما يتحمل المواطنون كلفة الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية.

ولفت مادو إلى أن الأضرار الاقتصادية لهذه الصفقات تتجاوز الأموال المهدرة، إذ تشمل استنزاف موارد الدولة وإضعاف مؤسساتها وزيادة معاناة المواطنين الذين يحتاجون إلى الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والتعليم، فضلاً عن إعادة تشغيل المؤسسات وتأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب.

الإمارات-وحصار-شبكة-السلاح-لبورتسودان-مح-4GQi.jpg" width="100%" style="width: 100%" alt="الإمارات وحصار شبكة السلاح لبورتسودان.. محاسبة تكبح اقتصاد الحرب (خاص) - صورة 2" loading="lazy">

وأكد أن التعامل مع القضية ينبغي ألا يتوقف عند أسماء المتهمين أو حجم الأموال المتداولة، بل يجب أن يشمل فحص المنظومة التي أتاحت إبرام الصفقات، والجهات التي أجازتها، وآليات اختيار الموردين والوسطاء، ومسارات تحويل الأموال، ومدى وجود تضارب في المصالح.

كما أشار إلى ضرورة بحث المسؤوليات الجنائية المحتملة وفق القانون السوداني، بما في ذلك مدى توافر الأدلة التي تربط المتورطين بأفعال قتل أو جرائم أخرى، دون الاكتفاء بمجرد ارتباطهم بصفقات التسليح.

وأكد أن السؤال الأساسي يتمثل في تحديد من يدفع كلفة الحرب ومن يجني عوائدها، معتبراً أن الإجابة تتطلب تحقيقات موثقة وأدلة مالية ورقابية، بما يضمن توجيه موارد السودان لخدمة المواطنين بدلاً من استنزافها في الصفقات المشبوهة واستمرار الصراع. وأشار إلى أن القضية حظيت باهتمام واسع في السودان، متوقعاً أن تفتح الأحكام الصادرة في الإمارات الباب أمام نقاشات وتحركات قانونية وسياسية خلال الفترة المقبلة.

مطالب

وأشار إلى أن خطورة هذه الصفقات لا تتوقف عند مدى قانونيتها، بل تشمل أيضاً تحديد الجهات المستفيدة منها، وآليات تسعيرها، والعمولات المرتبطة بها، والجهات التي أجازتها. واعتبر أن التحقيق ينبغي ألا يقتصر على المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام، بل يمتد إلى فحص شبكة المصالح المحيطة بالصفقات، في ضوء ما أشار إليه من تقارير صحفية عن صلات محتملة بين بعض هذه الأنشطة وتنظيم الإخوان المسلمين وكتيبة البراء.

الإمارات وحصار شبكة السلاح لبورتسودان.. محاسبة تكبح اقتصاد الحرب (خاص) - صورة 3

وفيما يتعلق باستفادة بعض الأطراف من استمرار الحرب، أوضح مادو أن النزاعات الطويلة تتيح فرصاً لتحقيق الأرباح من الإنفاق العسكري واضطراب الأسواق وضعف الرقابة، وهو ما قد يجعل استمرار الصراع مصلحة اقتصادية لبعض الوسطاء وأصحاب المصالح.

تسوية سياسية

في السياق نفسه، قال المحلل السياسي السوداني حافظ كبير إن تجفيف منابع التمويل غير المشروع يسهم في تهيئة المناخ لوقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية، من خلال تقليص الموارد التي تستفيد منها الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية، والتي ترى في استمرار الصراع وسيلة للحفاظ على نفوذها ومصالحها المالية.

وأضاف كبير في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن المحاكمة الأخيرة كشفت جانباً من شبكات نهب الموارد والصفقات المشبوهة، لكن هناك شركات وواجهات أخرى لم تُكشف بعد، ما يستدعي تحركاً دولياً لعزل هذه الشبكات ومحاصرتها بالعقوبات والإدانة، إلى جانب تسليط الضوء إعلامياً على أنشطتها، لمنعها من استغلال مؤسسات الدولة واستنزاف موارد السودان وإطالة أمد الحرب.

الإمارات وحصار شبكة السلاح لبورتسودان.. محاسبة تكبح اقتصاد الحرب (خاص) - صورة 4

وأوضح أن حماية المال العام تبدأ بوقف الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، التي قال إنها اختُطفت لمصلحة جماعات أيديولوجية ومجموعات متحالفة معها، تضم حركات مسلحة وميليشيات قبلية وتشكيلات أخرى تربطها مصالح مالية وسياسية. واعتبر أن هذه القوى تسعى إلى إعادة بناء نظام يتمحور حول الحركة الإسلامية، بعيداً عن مصالح الشعب السوداني ومطالب ثورة ديسمبر.

وأشار إلى أن العوائد المالية المرتبطة بالتسليح تمثل أحد دوافع رفض هذه الجماعات التسوية السياسية، سواء عبر المبادرات الداخلية أو الدولية، إذ تتيح لها الحرب تحقيق مكاسب لا تستطيع ضمانها في زمن السلام. كما توفر غطاءً سياسياً لتقديم نفسها باعتبارها مدافعة عن الشعب السوداني، بينما تستنزف موارده وتقصي القوى المدنية المطالبة بالسلام والتنمية والديمقراطية.

شبكات المصالح

ولفت كبير إلى أن شبكات المصالح لا تقتصر على عائدات التسليح، بل تمتد إلى المساعدات الإنسانية، التي قال إن هذه المجموعات تستغلها وتحوّل بعضها إلى الجنود والميليشيات أو توظفها لخدمة المجهود الحربي، بدلاً من توجيهها إلى المحتاجين والمتضررين من الأزمة الإنسانية.

وأكد أن هذه الممارسات تكشف، عن تقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، في وقت يعاني فيه ملايين السودانيين نقص الغذاء والدواء وتراجع الخدمات الأساسية. وأضاف أن الأموال التي تُنفق على السلاح والصفقات والعمولات كان يمكن توجيهها إلى النازحين والمحتاجين، أو إلى الخدمات الأساسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

الإمارات وحصار شبكة السلاح لبورتسودان.. محاسبة تكبح اقتصاد الحرب (خاص) - صورة 5

وشدد على أن إنهاء الحرب ومعالجة جذورها يتيحان توجيه موارد السودان نحو إعادة بناء مؤسساته وإقامة نظام ديمقراطي، وتأسيس جيش مهني قومي بعيداً عن السياسة والنشاط الاقتصادي، إلا أن هذا المسار لا يخدم مصالح المستفيدين من استمرار الصراع، الذين يواصلون توظيف موارد الدولة لخدمة أجنداتهم.

واعتبر كبير أن مواقف قيادات عسكرية، بينها ياسر العطا، الداعية إلى استمرار الحرب تعكس، ارتباط مصالح هذه القيادات ببقاء الصراع، بما يجعل التسوية السياسية خياراً يتعارض مع حساباتها.