تم تحديثه الجمعة 2026/10/30 08:13 م بتوقيت أبوظبي
يسير الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة؛ الديمقراطي والجمهوري على رمال الولاءات السياسية المتحركة وسط حالة القلق التي تعم البلاد.
الصورة السائدة عن الولايات المتحدة هذه الأيام هي صورة بلد منقسم بسبب الفوارق التعليمية والطبقية والثقافية إلى معسكرين متصارعين لكن استطلاعات الرأي، تكشف أن البلاد في حالة تحول، حيث تشعر قطاعات واسعة من الناخبين بالقلق إزاء المستقبل، وتفتقر إلى ولاءات سياسية راسخة أي أن ولاءات الناخبين لا تزال متاحة لمن يستطيع كسبها.
- لعنة منتصف المدة.. هل يكسرها ترامب؟
ووفقا لتحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حصل في انتخابات 2024 على 44% من أصوات الناخبين من أصولٍ إسبانية بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” التي أجرت مؤخرا استطلاع رأي كشف أن 31% فقط من هؤلاء الناخبين يخططون للتصويت لمرشح جمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
وقبل عامين نجح ترامب في تقليص الفجوة الكبيرة التي كانت تفصل الجمهوريين عن الناخبين الشباب، لتصل إلى 10 نقاط مئوية فقط واليوم، أصبحت هذه الفجوة أوسع مما كانت عليه خلال انتخابات 2008 حيث وصلت إلى 44 نقطة لصالح الديمقراطيين.
ويرى التحليل أن هذه التحولات الجذرية نادراً ما تحدث في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز العامين لكنه أشار إلى أن وتيرة الزمن تسارعت، وباتت التغييرات التي كانت تستغرق سنوات تحدث الآن في غضون أشهر أو أسابيع.
ففي البرازيل، جاء الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في المركز الثاني في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، متأخراً عن جايير بولسونارو بأكثر من مليوني صوت وفي غضون ثلاثة أسابيع، نجح لولا في إقناع 10 ملايين ناخب إضافي بدعمه، ليفوز في الجولة النهائية بفارق مريح.
ولم يسبق في تاريخ الانتخابات الرئاسية البرازيلية أن تمكن مرشح جاء في المركز الثاني في الجولة الأولى من تغيير قناعات عدد كاف من الناخبين ليحقق الفوز في الجولة النهائية.
وهذا العصر يسوده القلق، مما يعني أن الناس باتوا غير واثقين من ولاءاتهم السياسية، ففي جميع أنحاء أوروبا، تخلى الناخبون عن الأحزاب التقليدية لصالح أحزاب جديدة، غالباً ما تكون أكثر تطرفاً سواء على اليمين أو على اليسار.
ويرجع هذا جزئيا إلى فشل أحزاب الوسط من اليمين واليسار في معالجة قضايا كبرى، مثل الهجرة غير الشرعية وانهيار نظام اللجوء.
وعندما يتحول الغضب في أوساط اليسار إلى أعمال شغب في الشوارع، فإن اليمين هو من يستفيد تاريخياً من هذا الوضع ويبدو أن هذا النمط سيتكرر في فرنسا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
وهذه الأيام هناك عدد أكبر من أي وقت مضى من الأشخاص الذين لديهم ولاءات سياسية ضعيفة ووجد استطلاع حديث أجراه مركز “بيو” أن ربع الناخبين الذين صوتوا لترامب في 2024 ينظرون الآن إلى الحزب الجمهوري نظرة سلبية ونصف هؤلاء فقط قالوا إنهم سيدعمون مرشح الحزب في انتخابات الكونغرس.
وفي انتخابات التجديد النصفي المرتقبة الثلاثاء المقبل، بات ما يقرب من نصف الأمريكيين يصنفون أنفسهم كـ “مستقلين” وحتى أولئك الذين يميلون نحو حزب معين، لا يفعلون ذلك بالضرورة بدافع الولاء العميق له.
وأظهر استطلاع لمركز “بيو” أن 64% من المستقلين الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي أرجعوا تفضيلهم لهذا الحزب إلى الأضرار الناجمة عن سياسات الجمهوريين، بينما أشار 27% فقط إلى الإنجازات الإيجابية لسياسات الديمقراطيين واتبع المستقلون الذين يميلون للحزب الجمهوري نهجاً مشابهاً.
ووفقاً لاستطلاع حديث أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، أعرب 52% من الديمقراطيين عن رغبتهم في أن يتبنى حزبهم نهجاً معتدلاً أو يحافظ على مساره الحالي، في حين طالب 37% فقط بأن يصبح الحزب أكثر ليبرالية.
أما مشكلات الحزب الجمهوري، فتعود في جزء كبير منها إلى أخطاء ارتكبها الحزب نفسه حيث يربط الناخبون بين الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب والتوترات مع إيران من جهة، وبين ارتفاع الأسعار وأزمة تكاليف المعيشة من جهة أخرى.
ورغم تأييد البعض لإغلاق الحدود، إلا أنهم عارضوا المداهمات القاسية التي نفذتها إدارة الهجرة والجمارك وبالنسبة لآخرين، كان الفساد أمراً لا يمكن التغاضي عنه.
لكن ذلك، لا يعني أن هؤلاء الناخبين تخلوا عن المبادئ الأساسية لأجندة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” أو “ماغا” إذ يمكن لمرشح يتبنى هذه الأجندة بصدق واتساق أن يستعيد ثقة الجمهوريين الذين أصيبوا بخيبة أمل.
وهنا تلوح فرصة للتيار السياسي الوسطي، لكن استغلالها يتطلب طرح أجندة إيجابية قادرة على تبديد بعض المخاوف بشأن المستقبل.
وينبغي لهذه الأجندة أن تستمد أفكارها من كلا الجانبين اليمين واليسار؛ كالحفاظ على إغلاق الحدود مع إصلاح نظام اللجوء لسد الثغرات التي يستغلها الملايين لدخول البلاد.
وكذلك معالجة تكاليف الرعاية الصحية من خلال توظيف التقنيات الحديثة، واستخدام سلطة الحكومة لضبط التكاليف وتوسيع نطاق الوصول إليها.
كما ينبغي تطوير التعليم بالتعاون مع المدارس العامة عبر تسخير الذكاء الاصطناعي لتوفير معلم خاص لكل فرد، إلى جانب التوسع الكبير في بناء المساكن في كل مكان، وإعادة هيكلة النظام الضريبي بحيث تزيد الضرائب على رأس المال، بينما يتم تخفيف الأعباء الضريبية عن الأجور والعمل.
وسيؤثر تقديم برنامج مقنع للأمريكيين يمنحهم شعوراً بالأمان تجاه المستقبل ليس فقط على كسب الأصوات في الانتخابات المقبلة بل قد يضمن ولاءهم لسنوات قادمة.


